الباحث القرآني
ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِإجْلالِ رَسُولِهِ ﷺ وإعْظامِهِ، ونَهى عَنْ أذاهُ في نَفْسِهِ أوْ في أُمَّتِهِ، ونَهى عَنِ التَّفاخُرِ الَّذِي هو سَبَبُ التَّقاطُعِ والتَّداحُرِ، وخَتَمَ بِصِفَةِ الخَبَرِ، دَلَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ [مُشِيرًا] إلى أنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِشَيْءٍ مِمّا أمَرَ بِهِ أوْ نَهى عَنْهُ إلّا مَعَ الإخْلاصِ فَقالَ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ﴾ أيْ: أهْلُ البادِيَةِ مِن بَنِي أسَدٍ وغَيْرِهِمُ الَّذِينَ هم مَعْدِنُ الغِلْظَةِ [والجَفاءِ] الَّذِينَ تَقَدَّمَ تَأْدِيبُهم في سُورَةِ الفَتْحِ، وألْحَقَ التّاءَ في فِعْلِهِمْ إشارَةً إلى ضَعْفِهِمْ في العَزائِمِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: هم قَوْمٌ شَهِدُوا شَهادَةَ الحَقِّ وهم لا يَعْلَمُونَ ما شَهِدُوا بِهِ غَيْرَ أنَّ أنْفُسَهم [لَيْسَتْ] تُنازِعُهم إلى التَّكْذِيبِ: ﴿آمَنّا﴾ [أيْ] بِجَمِيعِ ما جِئْتَ بِهِ فامْتَثَلْنا ما أُمِرْنا بِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ ولَنا النَّسَبُ الخالِصُ، فَنَحْنُ أشْرَفُ مِن غَيْرِنا مِن أهْلِ المَدَرِ.
ولَمّا كانَ الإيمانُ التَّصْدِيقَ بِالقَلْبِ فَلا اطِّلاعَ عَلَيْهِ لِآدَمِيٍّ إلّا بِإطْلاعِهِ سُبْحانَهُ فَكانُوا كاذِبِينَ في دَعْواهُ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: تَكْذِيبًا لَهم مَعَ مُراعاةِ الأدَبِ في عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقْ قُلُوبُكُمْ؛ لِأنَّكم لَوْ آمَنتُمْ لَمْ تَمُنُّوا بِإيمانِكُمْ؛ لَأنَّ الإيمانَ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ (p-٣٨٦)ما لِلَّهِ مِنَ الكَمالِ الَّذِي مِنهُ أنَّهُ لَوْلا مَنُّهُ بِالهِدايَةِ لَمْ يَحْصُلِ الإيمانُ، فَلَهُ ولِرَسُولِهِ - الَّذِي كانَ ذَلِكَ عَلى يَدَيْهِ - المَنُّ والفَضْلُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ ما كانَ الأصْلُ في أنْ يَكُونَ الرَّدُّ بِهِ وهُوَ: فَلا تَقُولُوا: آمَنّا، فَإنَّهُ كَذِبٌ، وعَدَلَ عَنْهُ لِلِاحْتِرازِ عَنِ النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ بِالإيمانِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنْ قُولُوا﴾ لِأنَّكم أسْلَمْتُمْ لِلدُّنْيا لا لِلدِّينِ، وعَدَلَ عَنْهُ لِئَلّا تَكُونَ شَهادَةً لَهم بِالإسْلامِ في الجُمْلَةِ: ﴿أسْلَمْنا﴾ أيْ: أظْهَرْنا الِانْقِيادَ في الظّاهِرِ لِلْأحْكامِ الظّاهِرَةِ فَأمِنّا مِن أنْ نَكُونَ حِزْبًا لِلْمُؤْمِنِينَ وعَوْنًا لِلْمُشْرِكِينَ، يَقُولُ: أسْلَمَ الرَّجُلُ: إذا دَخَلَ في السِّلْمِ، كَما يُقالُ: أشْتى، إذا دَخَلَ في الشِّتاءِ، ولَمْ يَقُلْ: ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ، لِما فِيهِ مِنَ الشَّهادَةِ لَهم بِالإسْلامِ المُلازِمِ لِلْإيمانِ المَنفِيِّ عَنْهُ، فَكانَ يَكُونُ تَناقُضًا، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: نَفْيُ الإيمانِ الشَّرْعِيِّ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى إثْباتِ الإسْلامِ اللُّغَوِيِّ ثانِيًا، [والأمْرُ بِالقَوْلِ بِالإسْلامِ] ثانِيًا يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ بِالإيمانِ [أوَّلًا].
ولَمّا كانَتْ ”لَمْ“ غَيْرَ مُسْتَغْرِقَةٍ، عَطَفَ عَلَيْها ما يَسْتَغْرِقُ ما مَضى مِنَ الزَّمانِ كُلِّهِ لِيَكُونَ الحُكْمُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ مُكْتَنِفًا بِأمْرِهِمْ بِالِاقْتِصادِ عَلى الإخْبارِ بِإسْلامِهِمْ، فَقالَ مُعْلِمًا بِأنَّ ما يَجْتَهِدُونَ في إخْفائِهِ مُنْكَشِفٌ لَدَيْهِ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] ﴿ولَمّا يَدْخُلِ﴾ [أيْ] إلى هَذا الوَقْتَ (p-٣٨٧)﴿الإيمانُ﴾ [أيِ] المَعْرِفَةُ التّامَّةُ ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فَلا يُعَدُّ إقْرارُ اللِّسانِ إيمانًا إلّا بِمُواطَأةِ القَلْبِ، فَعَصَيْتُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﷺ وأحْبَطْتُمْ أعْمالَكُمْ، والتَّعْبِيرُ بِ ”لَمّا“ يُفْهِمُ أنَّهم آمَنُوا بَعْدَ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا النَّفْيِ نَفْيَ التَّمَكُّنِ في القَلْبِ، لا نَفْيَ مُطْلَقِ الدُّخُولِ بِدَلِيلِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] دُونَ ”إنَّما الَّذِينَ آمَنُوا“.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ تُؤْمِنُوا يَعْلَمِ اللَّهُ ذَلِكَ مِن قُلُوبِكم غَنِيًّا عَنْ قَوْلِكُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَرْغِيبًا لَهم في التَّوْبَةِ: ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الَّذِي مَن خالَفَهُ لَمْ يَأْمَن عُقُوبَتَهُ ﴿ورَسُولَهُ﴾ الَّذِي طاعَتُهُ مِن طاعَتِهِ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الأمْرِ الظّاهِرِيِّ فَتُؤْمِنُ قُلُوبُكم ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ أيْ: يُنْقِصْكم ويَبْخَسْكم مِن لاتَهُ يَلِيتُهُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ: ”يَأْلِتْكُمْ“ مِنَ الألْتِ وهو النَّقْصُ أيْضًا، وهي لُغَةُ أسَدٍ وغَطَفانَ، وهُما المُخاطَبُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ المُعاتَبُونَ بِها، قالَ أبُو حَيّانَ: قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في [بَنِي] أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. انْتَهى. فَلِذَلِكَ اخْتارَ أبُو عَمْرٍو القِراءَةَ بِها، وعَدَلَ عَنْ لُغَةِ الحِجازِ.
﴿مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ فَلا حاجَةَ إلى إخْبارِكم عَنْ إيمانِكم بِغَيْرِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: فَعُمُومُ النّاسِ وأكْثَرُ أهْلِ الغَفْلَةِ مُسْلِمُونَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، فَإنْ يَعْلَمُوا عِلْمَ ما شَهِدُوا وعَقَدُوا عَلَيْهِ عَقْدًا عِلْمًا ويَقِينًا فَهُمُ المُؤْمِنُونَ. وفي الآيَةِ احْتِباكٌ مِن (p-٣٨٨)وجْهٍ آخَرَ: ذَكَرَ عَدَمَ الإيمانِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى إثْباتِهِ ثانِيًا، وذَكَرَ تَوْفِيرَ الأعْمالِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى بَخْسِها أوْ إحْباطِها أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ نَفى أساسَ الخَيْرِ أوَّلًا ورَغَّبَ في الطّاعَةِ بِحِفْظِ ما تَعِبُوا [عَلَيْهِ] مِنَ الأعْمالِ ثانِيًا.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَبْنِيًّا عَلى النُّقْصانِ، فَلَوْ وُكِلَ إلى عَمَلِهِ هَلَكَ، ولَذَهَبَ عَمَلُهُ فِيما يَعْتَرِيهِ مِنَ النَّقْصِ، قالَ مُسْتَعْطِفًا [لَهُمْ] إلى التَّوْبَةِ، مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِمّا يَحِقُّ تَأْكِيدُهُ [لِأنَّ الخَلائِقَ] لا يَفْعَلُونَ مِثْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ: سَتُورٌ لِلْهَفَواتِ والزَّلّاتِ لِمَن تابَ وصَحَّتْ نِيَّتُهُ، ولِغَيْرِهِ إذا أرادَ، فَلا عِتابَ ولا عِقابَ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ: يَزِيدُ عَلى السَّتْرِ عَظِيمَ الإكْرامِ.
{"ayah":"۞ قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوۤا۟ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا یَدۡخُلِ ٱلۡإِیمَـٰنُ فِی قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا یَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَـٰلِكُمۡ شَیۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمٌ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











