الباحث القرآني

ولَمّا وعَدَ المُطِيعَ وأوْعَدَ العاصِيَ، وكانَتِ النُّفُوسُ إلى الوَعْدِ أشَدَّ التِفاتًا، دَلَّ عَلَيْهِ بِثَوابٍ عَظِيمٍ مِنهُ أمْرٌ مَحْسُوسٌ يَعْظُمُ جَذْبُهُ لِلنُّفُوسِ القاصِرَةِ عَنِ النُّفُوذِ في عالَمِ الغَيْبِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ أعْظَمَ المُرادِ بِهِ المُذَبْذَبُونَ، مُفْتَتِحًا بِقَدْ؛ لِأنَّ السِّياقَ مُوجِبٌ لِلتَّوَقُّعِ لِما جَرى مِنَ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ أنَّها إذا شَوَّقَتْ إلى شَيْءٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ بِمَشْهُودٍ يُقَرِّبُ الغائِبَ المَوْعُودَ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ ﴿عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإيمانِ، أيْ: فَعَلَ مَعَهم فِعْلَ الرّاضِي بِما جَعَلَ لَهم مِنَ الفَتْحِ وما قَدَّرَ لَهُ مِنَ الثَّوابِ، وأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَرْضَ عَنِ الكافِرِينَ فَخَذَلَهم في الدُّنْيا مَعَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، فالآياتُ تَقْرِيرٌ لِما ذُكِرَ مِن جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ بِأُمُورٍ مُشاهَدَةٍ. ولَمّا ذَكَرَ الرِّضى، ذَكَرَ وقْتَهُ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِهِ فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ، وصَوَّرَ حالَهم إعْلامًا بِأنَّها سارَّةٌ مُعْجِبَةٌ شَدِيدَةُ الرُّسُوخِ في الرِّضى فَقالَ: ﴿يُبايِعُونَكَ﴾ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ لَمّا صَدَّ المُشْرِكُونَ عَنِ الوُصُولِ إلى البَيْتِ، فَبَعَثْتَ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَيْهِمْ لِيُخْبِرَهم بِأنَّكَ لَمْ تَجِئْ (p-٣١٦)لِقِتالٍ وإنَّما جِئْتَ لِلْعُمْرَةِ، فَبَلَغَكَ أنَّهم قَتَلُوهُ فَنَدَبْتَ إلى البَيْعَةِ لِمُناجَزَتِهِمْ فَبايَعَكَ كُلُّ مَن كانَ مَعَكَ عَلى أنْ لا يَفِرُّوا لِتُناجِزَ بِهِمُ القَوْمَ؛ وزادَ الأمْرَ بَيانًا وقَيَّدَهُ تَفْضِيلًا لِأهْلِ البَيْعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ واللّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وكانَتْ شَجَرَةً في المَوْضِعِ الَّذِي كانَ النَّبِيُّ ﷺ نازِلًا بِهِ في الحُدَيْبِيَةِ، ولِأجْلِ هَذا الرِّضى سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، ورَوى البَغَوِيُّ مِن طَرِيقِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ مِمَّنْ بايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»». ولَمّا دَلَّ عَلى إخْلاصِهِمْ بِما وصَفَهُمْ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَعَلِمَ﴾ أيْ: لِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ ﴿ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: مِن مُطابَقَتِهِ لِما قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ في البَيْعَةِ، وأنَّ ما حَصَلَ لِبَعْضِهِمْ مِنَ الِاضْطِرابِ في قَبُولِ الصُّلْحِ والكَآبَةِ مِنهُ إنَّما هو لِمَحَبَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ وإيثارِ ما يُرِيدُ مِن إعْلاءِ دِينِهِ وإظْهارِهِ لا عَنْ شَكٍّ في الدِّينِ، وسَبَّبَ عَنْ هَذا العِلْمِ تَرْغِيبًا [فِي] مِثْلِ هَذا المُحْدَثِ عَنْهم قَوْلَهُ: ﴿فَأنْـزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أيْ: بِثَباتِ القُلُوبِ وطُمَأْنِينَتِها في كُلِّ حالَةٍ تُرْضِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، ودَلَّ عَلى عِظَمِها بِحَيْثُ إنَّها تَغْلِبُ الخَوْفَ وإنْ عَظُمَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ فَأثَّرَ ذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَخافُوا عاقِبَةَ القِتالِ لَمّا نُدِبُوا إلَيْهِ وإنْ كانُوا في كَثْرَةِ الكُفّارِ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جَنْبِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ، لا أثَرَ الصُّلْحِ بِما يَتَراءى فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ وغَيْرِهِ مِن مَخايِلِ النَّقْصِ في قُلُوبِهِمْ في ذَلِكَ المَقامِ الدَّحْضِ (p-٣١٧)والمَواطِنِ الضَّنْكِ إلّا رَيْثَما رَأوْا صِدْقَ عَزِيمَةِ الرَّسُولِ ﷺ ومَضى أمْرُهُ في ذَلِكَ بِما يَفْعَلُ ويَقُولُ. ولَمّا ذَكَرَ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِما هو الأصْلُ الَّذِي لا يُبْنى إلّا عَلَيْهِ، أتْبَعَهُ آثارَهُ فَقالَ: ﴿وأثابَهُمْ﴾ أيْ: أعْطاهم جَزاءً لَهم عَلى ما وهَبَهم مِنَ الطّاعَةِ والسَّكِينَةِ فِيها جَزاءً، مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ، يَمْلَأُ مَواضِعَ احْتِياجِهِمْ، هو أهْلٌ لِأنْ يَقْصِدَهُ الإنْسانُ ويَتَرَدَّدَ في طَلَبِهِ لِما لَهُ مِنَ الإقْبالِ والمُكْنَةِ والشُّمُولِ ﴿فَتْحًا﴾ بِما أوْقَعَ سُبْحانَهُ مِنَ الصُّلْحِ المُتَرَتِّبِ عَلى تَعْجِيزِ قُرَيْشٍ عَنِ القِتالِ ﴿قَرِيبًا﴾ بِتَرْكِ القِتالِ المُوجِبِ بَعْدَ راحَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وجُمُومِهِمْ لِاخْتِلاطِ بَعْضِ النّاسِ بِبَعْضٍ فَيَدْخُلُ في الدِّينِ مَن كانَ مُباعِدًا لَهُ لِما يَرى مِن مَحاسِنِهِ، فَسَيَكُونُ الفَتْحُ الأعْظَمُ فَتْحَ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ الَّذِي هو سَبَبٌ لِفَتْحِ جَمِيعِ البِلادِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب