الباحث القرآني
ولَمّا ذَمَّ المُخَلَّفِينَ بِما مِنهُ -أيْ مِنَ الذَّمِّ- أنَّهم هالِكُونَ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ أنَّهُ لَعَنَهُمْ، وكانَ قَدْ وعَدَ (p-٣٠٧)سُبْحانَهُ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ فَتْحَ خَيْبَرَ جَبْرًا لَهم بِما مَنَعَهم مِنَ الِاسْتِيلاءِ عَلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ الدَّقِيقَةِ، وخَتَمَ بِأنَّهُ نافِذُ الأمْرِ، و[كانَ] ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِإحاطَةِ العِلْمِ، دَلَّ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا، جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَلْ يَغْفِرُ لِلْمُخَلَّفِينَ حَتّى يَكُونُوا كَأنَّهم ما تَخَلَّفُوا؟ ﴿سَيَقُولُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ.
ولَمّا كانَ النَّبِيُّ ﷺ بِحَيْثُ لا مَطْمَعَ لِأحَدٍ في أنْ يَظْفَرَ مِنهُ بِشَيْءٍ مِن خِلافٍ لِأمْرِ اللَّهِ، أسْقَطَ ما عَبَّرَ بِهِ في ذِكْرِهِمْ أوَّلًا مِن خِطابِهِ وقالَ: ﴿المُخَلَّفُونَ﴾ أيْ: لِمَن يَطْمَعُونَ فِيهِ مِنَ الصَّحابَةِ أنْ يَسْعى في تَمْكِينِهِمْ مِنَ المَسِيرِ في جَيْشِهِ ﷺ لِخَفاءِ الحُكْمِ عَلَيْهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولَمْ يُقَيِّدْهم بِالأعْرابِ لِيَعُمَّ كُلَّ مَن كانَ يَتَخَلَّفُ مِن غَيْرِهِمْ ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ﴾ بِتَمْكِينِ اللَّهِ لَكم ﴿إلى مَغانِمَ﴾
ولَمّا أفْهَمَ اللَّفْظُ الأخْذَ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ كَثْرَتَها، صَرَّحَ بِالأوَّلِ رَفْعًا لِلْمَجازِ فَقالَ: ﴿لِتَأْخُذُوها﴾ أيْ: مِن خَيْبَرَ ﴿ذَرُونا﴾ أيْ: عَلى أيِّ حالَةٍ شِئْتُمْ مِنَ الأحْوالِ الدَّنِيَّةِ ﴿نَتَّبِعْكُمْ﴾ ولَمّا كانَ يَلْزَمُ مِن تَمْكِينِهِمْ مِن ذَلِكَ إخْلافُ وعْدِ اللَّهِ بِأنَّها تَخُصُّ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ، وأنَّهُ طَرَدَ المُنافِقِينَ وخَيَّبَ قَصْدَهُمْ، عَلَّلَ تَعالى قَوْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ﴾ أيْ: بِذَهابِكم مَعَكم ﴿أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ أيِ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً (p-٣٠٨)وعِلْمًا في الإخْبارِ بِلَعْنِهِمْ وإبارَتِهِمْ، وأنَّ فَتْحَ خَيْبَرَ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، لا يَشْرُكُهم فِيهِ إلّا مَن وافَقَهم في النِّيَّةِ والهِجْرَةِ، لِيَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إلى تَشْكِيكِ أهْلِ الإسْلامِ فِيهِ، والمُرادُ أنَّ فِعْلَهم فِعْلُ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا صِنْفَيْنِ: مِنهم مَن يُرِيدُ ذَلِكَ، ومِنهم مَن لَمْ يُرِدْهُ ولَكِنْ فَعَلَ فِعْلَ مَن يُرِيدُهُ.
ولَمّا كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَسْألَ عَمّا يُقالُ لَهُمْ، قالَ مُخاطِبًا لِأصْدَقِ الخَلْقِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: يا حَبِيبُ لَهم إذا بَلَغَكَ كَلامُهم أنْتَ بِنَفْسِكَ، فَإنَّ غَيْرَكَ لا يَقُومُ مَقامَكَ في هَذا الأمْرِ المُهِمِّ، قَوْلًا مُؤَكَّدًا: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ وإنِ اجْتَهَدْتُمْ في ذَلِكَ، وساقَهُ مَساقَ النَّفْيِ وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ النَّهْيُ؛ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ آكَدَ يَكُونُ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وهو أزْجَرُ وأدُلُّ عَلى الِاسْتِهانَةِ.
ولَمّا أذِنَ هَذا التَّأْكِيدُ أنَّهُ مِن عِنْدِ مَن [لا] يُخالَفُ أصْلًا في مُرادِهِ، بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا القَوْلِ البَدِيعِ الشَّأْنِ العَلِيِّ الرُّتْبَةِ ﴿قالَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يَكُونُ إلّا ما يُرِيدُ ولَيْسَ هو كالمُلُوكِ الَّذِينَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الغُفْرانِ لِمَن شاؤُوا والعِقابِ لِمَن شاؤُوا ﴿مِن قَبْلُ﴾ هَذا الوَقْتِ، وهو الَّذِي لا يُمْكِنُ الخُلْفُ في قَوْلِهِ، فَإنَّهُ قَضى أنْ لا يَحْضُرَ ”خَيْبَرَ“ المُرادَةَ بِهَذِهِ الغَنائِمِ إلّا مَن حَضَرَ الحُدَيْبِيَةَ، (p-٣٠٩)وأمَرَ بِذَلِكَ فَكانَ ما قالَ بَعْدَ اجْتِهادِ بَعْضِ المُخَلَّفِينَ في إخْلافِهِ فَإنَّهم غَيَّرَهُمُ الطَّمَعُ بَعْدَ سَماعِهِمْ قَوْلَ اللَّهِ هَذا، فَطَلَبُوا أنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ ﷺ فَمُنِعُوا فَلَمْ يَحْضُرْها غَيْرَهم أحَدٌ، وذَلِكَ أنَّهُ ﷺ رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ، فَأقامَ إلى أثْناءِ مُحَرَّمٍ سَنَةَ سَبْعٍ، وخَرَجَ بِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ إلى خَيْبَرَ فَفَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وأخَذَ جَمِيعَ أمْوالِها مِنَ المَنقُولاتِ والعَقاراتِ، وأتى إلَيْهِ ﷺ وهو بِها بَعْدَ فَتْحِها ابْنُ عَمِّهِ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وبَعْضُ مَن مَعَهم مِن مُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ، فَأشْرَكَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُخَلَّفِينَ بَلْ كانُوا مُتَخَلِّفِينَ لِعُذْرِ عَدَمِ الإدْراكِ.
ولَمّا كانُوا مُنافِقِينَ لا يَعْتَقِدُونَ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْوالِ، بَلْ يَظُنُّونَ أنَّها حِيَلٌ عَلى التَّوَصُّلِ إلى المُراداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، سَبَّبَ عَنْ قَوْلِهِمْ لَهُ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى جَلافَتِهِمْ وفَسادِ ظُنُونِهِمْ: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ لَيْسَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِمّا ادَّعى أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ ﴿بَلْ﴾ إنَّما ذَلِكم لِأنَّكم ﴿تَحْسُدُونَنا﴾ فَلا تُرِيدُونَ أنْ يَصِلَ إلَيْنا مِن مالِ الغَنائِمِ شَيْءٌ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: لا يَفْهَمُونَ فَهْمَ الحاذِقِ الماهِرِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ في أمْرِ دُنْياهُمْ، ومِن ذَلِكَ إقْرارُهم بِالإيمانِ لِأجْلِها، وأمّا أُمُورُ الآخِرَةِ فَلا يَفْهَمُونَ مِنها شَيْئًا.
{"ayah":"سَیَقُولُ ٱلۡمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقۡتُمۡ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأۡخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعۡكُمۡۖ یُرِیدُونَ أَن یُبَدِّلُوا۟ كَلَـٰمَ ٱللَّهِۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَ ٰلِكُمۡ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبۡلُۖ فَسَیَقُولُونَ بَلۡ تَحۡسُدُونَنَاۚ بَلۡ كَانُوا۟ لَا یَفۡقَهُونَ إِلَّا قَلِیلࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











