الباحث القرآني
ولَمّا أتَمَّ العِلَّةَ الأُولى أقْبَلَ عَلى الثّانِيَةِ الصّادَّةِ عَنِ الطّاعَةِ القائِدَةِ إلى المَعْصِيَةِ المُلائِمَةِ لِلشَّهْوَةِ المُبْطِلَةِ لِلْأعْمالِ المُوجِبَةِ لِلتَّهاوُنِ المُؤَدِّي إلى عَدَمِ المَغْفِرَةِ، فَقالَ مُرَغِّبًا في طاعَتِهِ المُوجِبَةِ لِلْفَوْزِ الدّائِمِ بِبَيانِ قِصَرِ أيّامِ المِحْنَةِ (p-٢٦٤)وتَجَرُّعِ مِراراتِ المَشَقَّةِ: ﴿إنَّما الحَياةُ﴾ وأشارَ إلى دَناءَتِها تَنْفِيرًا عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿الدُّنْيا﴾ ولَمّا كانَ مُطْلَقُ العُلُوِّ مُوجِبًا لِأعْظَمِ اللَّذاذَةِ فَكَيْفَ إذا كانَ مُوجِبُهُ الدِّينَ الضّامِنَ لِدَوامِ اللَّذَّةِ [مَوْصُولًا] دُنْيَوِيُّها بِأُخْرَوِيِّها، وكانَ اللَّعِبُ ما يَنْشَأُ مِن زِيادَةِ البَسْطِ ويَنْقَضِي بِسُرْعَةٍ مَعَ دَلالَتِهِ عَلى الخِفَّةِ كالرَّقْصِ، قَدَّمَهُ إشارَةً إلى أنَّ العاقِلَ مَن يَسْعى في زِيادَةِ بَسْطٍ يَحْمِلُ عَلى الرَّزانَةِ ويَدُومُ، وأتْبَعَهُ اللَّهْوَ؛ لِأنَّهُ ما يُسْتَجْلَبُ بِهِ السُّرُورُ كالغِنا إشارَةً إلى أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِالدُّنْيا زِيادَةَ بَسْطِها فَهو يَنْقَضِي بِسُرْعَةٍ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الرُّعُونَةِ، وإنْ كانَ المُرادُ أصْلَ البَسْطِ والسُّرُورِ فَعِنْدَكم مِنهُ بِالعُلُوِّ الحاصِلِ لَكم بِالجِهادِ ما هو في غايَةِ العَظَمَةِ والجِدِّ والثَّباتِ فَلا سَفَهَ أعْظَمُ مِنَ العُدُولِ عَنْهُ إلى ما إنْ سَرَّ [حَمَلَ] عَلى الطَّيْشِ وانْقَضى بِسُرْعَةٍ، فَقالَ: ﴿لَعِبٌ﴾ أيْ: أعْمالٌ ضائِعَةٌ سافِلَةٌ تَزِيدُ في السُّرُورِ ويُسْرِعُ اضْمِحْلالُهُ، فَيَبْطُلُ مِن غَيْرِ ثَمَرَةٍ ﴿ولَهْوٌ﴾ أيْ: مَشْغَلَةٌ يُطْلَبُ بِها إثارَةُ اللَّذَّةِ كالغِنا وحَيْرَةٍ وغَفْلَةٍ، فَإنْ (p-٢٦٥)تَتْبَعُوها تَكْفُرُوا وتَبْطُرُوا وتَجْتَرِئُوا عَلى اللَّهِ، [وإنْ تَكْفُرُوا بِهِ وتَجْتَرِئُوا عَلَيْهِ] تَبْطُلْ أُجُورُكم فَلا يَكُونُ لَكم [أجْرٌ] ولا مالٌ؛ لِأنَّهُ يُبْطِلُ أعْمالَكم وأمْوالَكم بِكَوْنِها تَصِيرُ صُوَرًا لا مَعانِيَ لَها.
ولَمّا صَوَّرَ سُبْحانَهُ الدُّنْيا بِألَذِّ صُوَرِها عِنْدَ الجاهِلِ وأمَضِّها عِنْدَ العاقِلِ، وحاصِلُهُ أنَّها زِيادَةُ سُرُورٍ لِمَن كانَ مَسْرُورًا، واسْتِجْلابٌ [لَهُ] لِمَن كانَ مَضْرُورًا، لَكِنَّهُ سَرِيعُ الِانْصِرامِ بِخِلافِ ثَمَرَةِ الِاجْتِماعِ عَلى الدِّينِ مِن سُرُورِ العُلُوِّ بِالإسْلامِ، فَإنَّهُ باقٍ عَلى الدَّوامِ، عُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ بِناءً عَلى ما تَبِعَ وصْفَ الدُّنْيا، والآخِرَةُ جِدٌّ وعَمَلٌ وحُضُورٌ؛ فَإنْ تُقْبِلُوا عَلَيْها تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلا تَخْدَعَنَّكُمُ الدُّنْيا عَلى دَناءَتِها عَنْ نَيْلِ الآخِرَةِ بِالجِهادِ الأكْبَرِ والأصْغَرِ عَلى شَرَفِها وشَرَفِهِ، [قالَ بانِيًا عَلى ما أرْشَدَ السِّياقُ إلى تَقْدِيرِهِ]: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ أيْ: تَخافُوا فَتَجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ غَضَبِهِ سُبْحانَهُ وِقايَةً مِن جِهادِ أعْدائِهِ ومُقاساةِ لَفْحِ إيقادِ الحُرُوبِ وحَرِّ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ وإنْفاقِ الأمْوالِ في ذَلِكَ، فَتَكُونُوا جادِّينَ فَتَتْرُكُوا اللَّهْوَ واللَّعِبَ القائِدَيْنِ إلى الكُفْرِ ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ أيِ: اللَّهُ الَّذِي فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مِن أجْلِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿أُجُورَكُمْ﴾ أيْ: (p-٢٦٦)ثَوابَ كُلِّ أعْمالِكم لِبِنائِها عَلى الأساسِ؛ ولِأنَّهُ غَنِيٌّ لا يَنْقُصُهُ إلّا عَطاءٌ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهْوِ واللَّعِبِ أوَّلًا دالٌّ عَلى ذِكْرِ الآخِرَةِ والجَدِّ ثانِيًا، وذِكْرُ الإيمانِ والتَّقْوى ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِ ضِدِّهِما الكُفْرانِ والجُرْأةِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّ تَصْوِيرَ الشَّيْءِ بِحالِ الصَّبِيِّ والسَّفِيهِ أشَدُّ في الزَّجْرِ عَنْهُ عِنْدَ ذَوِي الهِمَمِ العالِيَةِ، وذِكْرُ الأجْرِ المُرَتَّبِ عَلى الخَوْفِ الَّذِي هو فِعْلُ الحَزَمَةِ أعْوَنُ عَلى تَرْكِهِ.
ولَمّا كانَ المَلْعُوبُ بِهِ المَلْهُوُّ مِنهُ يَسْألُ اللّاعِبَ اللّاهِيَ مِن مالِهِ، ولا يَقْنَعُ عِنْدَ سُؤالِهِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِضَياعِ أعْمالِهِ وأمْوالِهِ، [بَيَّنَ] أنَّ المَعْبُودَ بِخِلافِ ذَلِكَ في الأمْرَيْنِ، وأنَّهُ يُعْطِي ولا يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا وإنَّما أخْذُهُ أمْرُهُ بِمُواصَلَةِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ فَقالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألْكُمْ﴾ أيِ [اللَّهُ] في الدُّنْيا ﴿أمْوالَكُمْ﴾ أيْ: لِنَفْسِهِ ولا كُلَّها، وهَذا مُفْهِمٌ لِأنَّهم إنْ لَمْ يَتَّقُوا بِما ذُكِرَ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَن يَأْخُذُ أمْوالَهم بِما يُخْرِجُ أضْغانَهُمْ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: ومَتى سُئِلُوا أمْوالَهم بَخِلُوا، فَإنْ أُكْرِهُوا عَلى ذَلِكَ أُشْحِنُوا ضَغائِنَ وحَقائِدَ، ولَمْ يَكُنْ مِنَ الإمامِ لَهم نَصِيحَةٌ ولا مِنهم لِلْإمامِ ولا لِبَعْضِهِمُ البَعْضِ، وكانَ الخِلافُ، [و] في ذَلِكَ (p-٢٦٧)الحالِقَةُ، وهو إنْذارٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِما يَكُونُ بَعْدُ، وما أنْذَرَ شَيْئًا إلّا كانَ مِنهُ ما شاءَ اللَّهُ.
{"ayah":"إِنَّمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا لَعِبࣱ وَلَهۡوࣱۚ وَإِن تُؤۡمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ یُؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا یَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَ ٰلَكُمۡ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











