الباحث القرآني
(p-١٩٤)سُورَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، وتُسَمّى القِتالَ، وتُسَمّى أيْضًا الَّذِينَ كَفَرُوا.
مَقْصُودُها التَّقَدُّمُ إلى المُؤْمِنِينَ في حِفْظِ حَظِيرَةِ الدِّينِ بِإدامَةِ الجِهادِ لِلْكُفّارِ، حَتّى يُلْزِمُوهُمُ الصَّغارَ، أوْ يُبْطِلُوا ضَلالَهم كَما أضَلَّ [اللَّهُ] أعْمالَهُمْ، لا سِيَّما أهْلُ الرِّدَّةِ الَّذِينَ [فَسَقَوْا عَنْ مُحِيطِ الدِّينِ إلى] أوْدِيَةِ الضَّلالِ المُبِينِ، والتِزامِ هَذا الخُلُقِ الشَّرِيفِ إلى أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها بِإسْلامِ أهْلِ الأرْضِ كُلِّهِمْ بِنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن صَدَّكَ عَنْ سَبِيلِكَ قاتَلْتَهُ و[أنَّكَ] إنْ لَمْ تُقاتِلْهُ كُنْتَ مِثْلَهُ، واسْمُها مُحَمَّدٌ واضِحٌ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجِهادَ كانَ خُلُقَهُ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ إلى أنْ تَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى وهو نَبِيُّ الرَّحْمَةِ بِالمَلْحَمَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ حَمْدٌ وثَمَّ نَوْعُ ذَمٍّ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ فاطِرٍ وفي سَبَإ وفي الفاتِحَةِ، ومَتى كانَ كَفٌّ عَنْ أعْداءِ اللَّهِ [كانَ] الذَّمُّ، [و] أوْضَحُ أسْمائِها في (p-١٩٥)هَذا المَقْصِدِ القِتالُ؛ فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لِأهْلِ الضَّلالِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي [أقامَ] جُنْدَهُ لِلذَّبِّ عَنْ حِماهُ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ تارَةً بِالبَيانِ وأُخْرى بِالسَّيْفِ والسِّنانِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي خَصَّ حِزْبَهُ بِالحِفْظِ في طَرِيقِ الجِنانِ.
* * *
لَمّا أقامَ سُبْحانَهُ الأدِلَّةَ في الحَوامِيمِ حَتّى صارَتْ كالشَّمْسِ، لا يَزِيغُ عَنْها إلّا هالِكٌ، وخَتَمَ بِأنَّهُ يَهْلَكُ بَعْدَ هَذِهِ الأدِلَّةِ القَوْمُ الفاسِقُونَ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِالتَّعْرِيفِ بِهِمْ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا أنْوارَ الأدِلَّةِ فَضَّلُوا عَلى عِلْمٍ ﴿وصَدُّوا﴾ أيِ امْتَنَعُوا بِأنْفُسِهِمْ ومَنَعُوا غَيْرَهم لِعَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الطَّرِيقِ الرَّحْبِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي شَرَعَهُ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿أضَلَّ﴾ أيْ: أبْطَلَ إبْطالًا عَظِيمًا [يُزِيلُ العَيْنَ والأثَرَ] ﴿أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي هي أرْواحُهُمُ المَعْنَوِيَّةُ وهي كُلُّ شَيْءٍ يَقْصِدُونَ بِهِ نَفْعَ أنْفُسَهم مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ بَعْدَ أنْ وفَّرَ سَيِّئاتِهِمْ وأفْسَدَ بالَهُمْ، ومِن جُمْلَةِ أعْمالِهِمْ ما يَكِيدُونَكم بِهِ؛ لِأنَّها إذا ضَلَّتْ عَمّا قَصَدُوا بِها بِجَعْلِهِ سُبْحانَهُ لَها ضالَّةً ضائِعَةً هَلَكَتْ مِن جِهَةِ أنَّها ذَهَبَتْ في المَهالِكِ ومِن جِهَةِ أنَّها ذَهَبَتْ في غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي قُصِدَتْ لَها فَبَطَلَتْ مَنفَعَتُها المَقْصُودَةُ مِنها فَصارَتْ هي باطِلَةً فَأذْهِبُوا أنْتُمْ أرْواحَهُمُ الحِسِّيَّةَ بِأنْ تُبْطِلُوا صُوَرَهم وأشْباحَهم بِأنْ تُقَطِّعُوا أوْصالَهم (p-١٩٦)وأنْتُمْ في غايَةِ الِاجْتِراءِ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ رَبَّهُمُ الَّذِي أوْجَدَهم قَدْ أبْطَلَهم وأذِنَ لَكم في إبْطالِهِمْ، فَإنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنْ لا صَلاحَ لَهم والمُؤْذِي طَبْعًا يُقْتَلُ شَرْعًا، فَمَن قَدَرْتُمْ عَلى قَتْلِهِ فَهو مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ، مَحْتُومٌ بِخَيْبَتِهِ وخُسْرِهِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا انْبَنَتْ سُورَةُ الأحْقافِ عَلى ما ذُكِرَ مِن مَآلِ مَن كَذَّبَ وافْتَرى وكَفَرَ وفَجَرَ، وافْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِإعْراضِهِمْ، خُتِمَتْ بِما [قَدْ] تَكَرَّرَ مِن تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [الأحقاف: ٣٣] أيْ: لَوِ اعْتَبَرُوا بِالبُداءَةِ لَتَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ أمْرُ العَوْدَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَرْضَهم عَلى النّارِ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] فَلَمّا خَتَمَ بِذِكْرِ هَلاكِهِمْ، افْتَتَحَ السُّورَةَ الأُخْرى بِعاجِلِ ذَلِكَ اللّاحِقِ لَهم في دُنْياهم فَقالَ تَعالى: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ [محمد: ٤] الآيَةَ. بَعْدَ ابْتِداءِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ فَنَبَّهَ عَلى أنَّ أصْلَ مِحْنَتِهِمْ إنَّما هو (p-١٩٧)بِما أرادَهُ تَعالى بِهِمْ في سابِقِ عِلْمِهِ لِيَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ أنَّ الهُدى والضَّلالَ بِيَدِهِ، فَنَبَّهَ عَلى الطَّرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ في الآخَرِ: ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٢] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِقِتالِهِمُ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ثُمَّ حَضَّ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أمَرَهم بِهِ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ثُمَّ التَحَمَتِ الآيُ. انْتَهى.
{"ayah":"ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَـٰلَهُمۡ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











