الباحث القرآني
ولَمّا بَيَّنَ غايَةَ البَيانِ أنَّهُ الإلَهُ وحْدَهُ بِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِن جَمْعِهِ الخَلائِقَ لِيَوْمِ الفَصْلِ لِلْحُكْمِ بَيْنَهم بِما لَهُ مِنَ الحِكْمَةِ والقُدْرَةِ، وحَقَّرَ الهَوى ونَهى عَنِ اتِّباعِهِ، وكانُوا هم قَدْ عَظَّمُوهُ بِحَيْثُ جَعَلُوهُ مَعْبُودًا، فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ تَحْقِيرُهُمُ الإلَهَ، ولَمْ يَرْجِعُوا عَنْ ضَلالِهِمْ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ التَّعْجِيبُ مِمَّنْ يَظُنُّ أنَّهُ يَقْدِرُ (p-٩٤)عَلى رَدِّ أحَدٍ مِنهم عَنْ غَيِّهِ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ أيْ: أعَلِمْتَ عِلْمًا هو في تَيَقُّنِهِ كالمَحْسُوسِ بِحاسَّةِ البَصَرِ الَّتِي هي أثْبَتُ الحَواسِّ ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ [أيْ] بِغايَةِ جُهْدِهِ واجْتِهادِهِ ﴿إلَهَهُ هَواهُ﴾ أيْ: حَوَّلَ وصْفَ الإلَهِ حَتّى صارَ هَوًى لِنَفْسِهِ، فَهو تابِعٌ لِهَواهُ لَيْسَ غَيْرُ، فَهو في أوْدِيَةِ الضَّلالِ يَهِيمُ عَلى غَيْرِ سُنَنٍ فَهو مُعَرَّضٌ لِكُلِّ بَلاءٍ، فَخَسِرَ أكْثَرَ مِن رِبْحِهِ لِكَوْنِهِ بِلا دَلِيلٍ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهم لا يَعْبُدُونَ إلّا مُجَرَّدَ الهَوى ما رَواهُ البُخارِيُّ في وفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ مِنَ المَغازِي مِن صَحِيحِهِ عَنْ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ وهو مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ أدْرَكَ الجاهِلِيَّةَ وماتَ سَنَةَ خَمْسٍ ومِائَةٍ عَنْ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، قالَ: كُنّا نَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإذا وجَدْنا حَجَرًا أحْسَنَ مِنهُ ألْقَيْناهُ وأخَذْنا الآخَرَ، فَإذا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنا جُثْوَةً مِن تُرابٍ ثُمَّ جِئْنا بِالشّاةِ فَحَلَبْنا عَلَيْهِ ثُمَّ طُفْنا بِهِ. انْتَهى. ومَعَ ذَلِكَ فَكَيْفَما قَلَّبْتَ أمْرَهم وجَدْتَهُ شُعْبَةً يَسِيرَةً مِن كُفْرِ الِاتِّحادِيَّةِ، وكُلُّ مُتَشَبَّثاتِ قُرَيْشٍ الَّتِي عابَهُمُ اللَّهُ بِها تَشَبَّثَتْ بِها الِاتِّحادِيَّةُ حَتّى قَوْلُهُمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] ولَوْ قَدَّمَ الهَوى لَكانَ المَعْنى أنَّهُ حَوَّلَ وصْفَهُ إلى الأُلُوهِيَّةِ فاضْمَحَلَّ الهَوى، ولَمْ يَبْقَ إلّا ما يُنْسَبُ إلى (p-٩٥)الإلَهِيَّةِ كَما اضْمَحَلَّ الطِّينُ فِي: اتَّحَدَتِ الطِّينُ حَرْقًا، فَصارَ المَعْنى أنَّ العابِدَ لا يَتَحَرَّكُ إلّا بِحَسْبِ ما يَأْمُرُهُ بِهِ الإلَهُ ويَصِيرُ التَّرْكِيبُ يُفِيدُ تَعْظِيمَهُ بِغَلَبَةِ الإثْباتِ وإذْهابِ الهَوى غايَةَ الإذْهابِ، ولَوْ كانَ التَّقْدِيمُ في هَذا بِحَسْبِ السِّياقِ مِن غَيْرِ اخْتِلافِ المَعْنى لَقَدَّمَ هُنا [الهَوى] لِأنَّ السِّياقَ والسِّباقَ [لَهُ] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفُرْقانِ ما يَنْفَعُ هُنا، ومَفْعُولُ ”رَأى“ الثّانِي مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ آخِرَ الكَلامِ: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ﴾ تَقْدِيرُهُ: أيُمْكِنُ أحَدًا غَيْرَ اللَّهِ هِدايَتُهُ ما دامَ هَواهُ مَوْجُودًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما ذَكَرَ اللَّهُ هَوًى في القُرْآنِ إلّا ذَمَّهُ. انْتَهى. ومَعْناهُ أنَّهُ يَهْوِي بِصاحِبِهِ في الهَواءِ المَمْدُودِ وهو الفَضاءُ، أيْ يَنْزِلُ بِهِ عَنْ دَرَجَةٍ عُلْيا إلى ما دُونَها. فَهو في سُفُولٍ ما دامَ تابِعًا لَهُ لِأنَّهُ بِحَيْثُ لا قَرارَ ولا تَمَكُّنَ، فَلِذَلِكَ هو يُوجِبُ الهَوانَ، قالَ الأصْبِهانِيُّ: سُئِلَ ابْنُ المُقَفَّعِ عَنِ الهَوى، فَقالَ: هَوانٌ سُرِقَتْ نُونُهُ، فَنَظَمَهُ مَن قالَ: (p-٩٦)
؎نُونُ الهَوانِ مِنَ الهَوى مَسْرُوقَةٌ وأسِيرُ كُلِّ هَوًى أسِيرُ هَوانِ
وقالَ آخَرُ ولَمْ يُخْطِئِ المَعْنى وأجادَ:
؎إنَّ الهَوى لَهو الهَوانُ بِعَيْنِهِ ∗∗∗ فَإذا هَوِيتَ فَقَدْ لَقِيتَ هَوانا
﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ مِنهُ بِما فُطِرَ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ لا يَكُونُ أثَرٌ بِلا مُؤَثِّرٍ، ومِن أنَّهُ لا يَكُونُ مُنْفَرِدًا بِالمُلْكِ إلّا وهو مُسْتَحِقٌّ لِلتَّفَرُّدِ بِالعِبادَةِ، وهو أنَّهُ لَمْ يَخْلُقِ الكَوْنَ إلّا حَكِيمٌ، وأنَّ الحَكِيمَ لا يَدَعُ مَن تَحْتِ يَدِهِ يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ مِن غَيْرِ فَصْلٍ [بَيْنَهُمْ] لا سِيَّما وقَدْ وعَدَ بِذَلِكَ ولا سِيَّما والوَعْدُ بِذَلِكَ في أسالِيبِ الإعْجازِ الَّتِي هم أعْرَفُ النّاسِ بِها، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ المُضِلِّ بِأنَّ الضّالَّ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ لِأنَّهُ جَبَلَهُ جِبِلَّةَ شَرٍّ.
ولَمّا كانَ الضّالُّ أحْوَجَ إلى سَماعِ صَوْتِ الهادِي مِنهُ إلى غَيْرِهِ، وكانَ مَن لا يَنْتَفِعُ بِما هو لَهُ في حُكْمِ العادِمِ لَهُ قالَ: ﴿وخَتَمَ﴾ أيْ: زِيادَةً (p-٩٧)عَلى الإضْلالِ الحاضِرِ ﴿عَلى سَمْعِهِ﴾ فَلا فَهْمَ لَهُ في الآياتِ المَسْمُوعَةِ. ولَمّا كانَ الأصَمُّ قَدْ يَفْهَمُ بِالإشارَةِ قالَ: ﴿وقَلْبِهِ﴾ أيْ: فَهو لا يَعِي ما مِن حَقِّهِ وعْيُهُ. ولَمّا كانَ المَجْنُونُ الأصَمُّ قَدْ يُبْصِرُ مَضارَّهُ ومَنافِعَهُ فَيُباشِرُها مُباشَرَةَ البَهائِمِ قالَ: ﴿وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ فَصارَ لا يُبْصِرُ الآياتِ المَرْئِيَّةَ، وتَرْتِيبَها هَكَذا لِأنَّها في سِياقِ الإضْلالِ كَما تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ.
ولَمّا صارَ هَذا الإنْسانُ الَّذِي [صارَ] لا يَسْمَعُ الهادِيَ فَيَقْصِدُهُ ولا يَعِي المَعانِيَ لِيَنْتَفِعَ بِما تَقَدَّمَ لَهُ عِلْمُهُ، ولا يُبْصِرُ حَقَّ البَصَرِ لِيَهْتَدِيَ بِبَصَرِهِ دُونَ رُتْبَةِ الحَيَوانِ، قالَ تَعالى مُنْكِرًا مُسَبِّبًا لِلْإنْكارِ عَمّا تَقَدَّمَهُ: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ﴾ وأشارَ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: إضْلالِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ. ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّهُ لا هادِيَ لَهُ غَيْرُهُ، سَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارَ لِعَدَمِ التَّذَكُّرِ حَثًّا عَلى التَّذَكُّرِ فَقالَ مُشِيرًا بِإدْغامِ تاءِ التَّفَعُّلِ إلى عَدَمِ الِاحْتِياجِ بِسَبَبِ وُضُوحِهِ إلى كَثِيرِ (p-٩٨)تَذَكُّرٍ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: يَكُونُ لَكم نَوْعُ تَذَكُّرٍ فَتَذْكُرُونَ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الآياتِ المَتْلُوَّةَ ولا يَعْتَبِرُونَ بِالآياتِ المَرْئِيَّةِ مَعَ ما لِكُلٍّ مِنهُما مِنَ الظُّهُورِ، وأنَّ مَن كانَ هَذا حالُهُ فَلا سَبِيلَ لِمَخْلُوقٍ مِثْلِهِ إلى هِدايَتِهِ.
{"ayah":"أَفَرَءَیۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمࣲ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةࣰ فَمَن یَهۡدِیهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











