الباحث القرآني

(p-٤٩٨)ولَمّا أبْطَلَ سُبْحانَهُ شُبْهَتَهم ووَهى غايَةَ التَّوْهِيَةِ أمْرُهم في شِرْكِهِمْ وادِّعائِهِمُ الوَلَدَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ أقْوالُهُمُ الفاسِدَةُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأقامَ حُجَجَ الحَقِّ، ونَصَبَ بَراهِينَ الصِّدْقِ، وأثْبَتَ ما يَنْفَعُهُمْ، وحَذَّرَهم ما يَضُرُّهُمْ، حَتّى خَتَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُقْسِمًا مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ وعِظَمِ أمْرِهِ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾ [الزخرف: ٧٨] ثُمَّ حَصَرَ أمْرَهم في رَدِّ ذَلِكَ إنَّ رَدُّوهُ إلى قِسْمَيْنِ في حالَيْنِ: حالُ مُجاهَرَةٍ وحالُ مُماكَرَةٍ، وأخْبَرَ أنَّهُ لا نَجاةَ لَهم عَلى حالَةٍ مِنهُما، وأخْبَرَ أنَّ رُسُلَهُ تَعالى يَكْتُبُونَ جَمِيعَ أُمُورِهِمْ، ذَلِكَ مَعَ غِناهُ عَنْ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِما يَكْتُبُونَهُ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ مِمّا لا يَطَّلِعُونَ، عَلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ فَخْرًا عَظِيمًا مُلاحِمًا أشَدَّ المُلاحَمَةِ لِما قَدَّمَهُ مِن شُبْهَتِهِمْ في ادِّعاءِ الوَلَدِ فَأكَّدَ إبْطالَها وحَقَّقَ زَوالَها، وخَتَمَ بِالتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ في تَرْكِهِمْ وُجُوهَ الأُمُورِ واتِّباعِهِمْ أقْفائِها، وكانَ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ عَمَلُهم عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّ اللهَ سُبْحانَهُ لا يَسْمَعُ قَوْلَهُمُ المُوجِبَ لِأخْذِهِمْ وقَوْلِ رَسُولِهِ: المُوجِبُ لِنَصْرِهِ، عَطَفَ عَلى ما مَضى مِن إنْكارِهِمْ عَلَيْهِمْ عَدَمَ سَماعِهِ لِقَوْلِهِمْ، ولَمّا كانَ اشْتِدادُهم في تَكْذِيبِهِمْ ومُباعَدَتِهِمْ وعِنادِهِمْ لا يَزْدادُ بِمُرُورِ الزَّمانِ (p-٤٩٩)إلّا قُوَّةٌ أوْقَعُ في نَفْسِ الرَّسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أسَفًا ورِقَّةً وشَفَقَةً عَلَيْهِمْ وعَطْفًا، وصارَ يَشْكُو أمْرَهم إلى رَبِّهِ شَكْوى المُضْطَرِّ سِرًّا وعَلَنًا إرادَةَ التَّيْسِيرِ في أمْرِهِمْ والتَّهْوِينِ لِشَأْنِهِمْ، فاخْتِيرَ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ هَذا المَعْنى مَصْدَرُ ”قالَ“ المُشْتَرِكُ لَفْظُهُ مَعَ لَفْظِ الماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ إشارَةً إلى أنَّ شَكْواهُ بِذَلِكَ كَأنَّها صارَتْ أمْرًا ضَرُورِيًّا لَهُ لا اخْتِيارَ لَهُ في قَوْلِهِ فَكَأنَّهُ صارَ قَوْلًا مِن غَيْرِ قائِلٍ أوْ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، لِأنَّهُ صارَ حالًا مِنَ الأحْوالِ، ووَصَلَ بِهِ الضَّمِيرُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمٍ ذُكِرَ، إشارَةً إلى أنَّ ضَمِيرَهُ قَدِ امْتَلَأ بِتِلْكَ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ والرَّحْمَةِ لَهُمْ، فَقالَ تَعالى عَطْفًا عَلى سِرِّهِمُ المُقَدَّرِ بَعْدَ ﴿بَلى﴾ [الزخرف: ٨٠] في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى﴾ [الزخرف: ٨٠] أوْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ السّاعَةِ أيْ ”ويَعْلَمُ قِيلَهُ“ قالَهُ الزَّجّاجُ، وعَدَلَ في هَذا الوَجْهِ - وهو قِراءَةُ عاصِمٍ لَهُ وحَمْزَةُ بِالجَرِّ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في تَعَلُّقِهِ بِذَلِكَ لِعَطْفِهِ عَلى لَفْظِ (p-٥٠٠)﴿السّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] وقُرِئَ شاذًّا بِالرَّفْعِ، ووَجْهُهُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، أيْ كَيْفَ يَصْرِفُونَ عَنِ اتِّباعِ رَسُولِنا الآمِرِ لَهم بِتَوْحِيدِنا في العِبادَةِ كَما أنّا تَوَحَّدْنا بِالخَلْقِ والحالِ أنَّ قِيلَهُ كَذا في شِكايَتِهِمْ، أفَيَظُنُّونَ أنّا لا نَنْصُرُهُ وقَدْ أرْسَلْناهُ: ﴿وقِيلِهِ﴾ الَّذِي صارَ في مُلازَمَتِهِ وعَدَمِ انْفِكاكِهِ حالًا مِنَ الأحْوالِ، الدّالِّ عَلى وجْهِ قِيلِهِ وانْكِسارِ نَفْسِهِ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ كَسْرَةُ المَصْدَرِ وياؤُهُ المُجانِسَةُ لَها، والتَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ: ﴿يا رَبِّ﴾ دالٌّ عَلى ذَلِكَ بِما تُفِيدُهُ ”يا“ الدّالَّةُ عَلى بَعْدُ، أوْ تَقْدِيرُهُ، والرَّبُّ الدّالُّ عَلى الإحْسانِ والعَطْفِ والشَّفَقَةِ والتَّدْبِيرِ والسِّيادَةِ الِاخْتِصاصِ والوِلايَةِ، وذَلِكَ عَلى غَيْرِ العادَةِ في دُعاءِ المُقَرَّبِينَ، فَإنَّها جارِيَةٌ في القُرْآنِ بِإسْقاطِ أداةِ النِّداءِ. ولَمّا كانَ الإرْسالُ إلَيْهِمْ - والمُرْسَلُ قادِرٌ - مُقْتَضِيًا لِإيمانِهِمْ، أكَّدَ ما ظَهَرَ لَهُ مِن حالِهِمْ بِقَوْلِهِ زِيادَةً في التَّحَسُّرِ وإشارَةً إلى أنَّ تَأْخِيرَ أمْرِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيمانَهم مَطْمُوعٌ فِيهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ لَمْ يُضِفْهم إلى نَفْسِهِ بِأنْ يَقُولَ: قُومِي، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ العِباراتِ ولا سَمّاهم بِاسْمِ قَبِيلَتِهِمْ لِما ساءَهُ مِن حالِهِمْ، وأتى بِهاءِ المُنَبِّهَةِ قَبْلَ اسْمٍ عَلى غَيْرِ عادَةِ الأصْلِ إشارَةً إلى أنِ اسْتَشْعَرَ مِن نَفْسِهِ بُعْدًا واسْتِصْغارًا لَها واحْتِقارًا (p-٥٠١)﴿قَوْمٌ﴾ أيْ أقْوِياءُ عَلى الباطِلِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ مِنهم هَذا الفِعْلُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب