الباحث القرآني

ولَمّا نَزَّهَهُ سُبْحانَهُ عَنِ الوَلَدِ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِكُهُ، وكانَ ذَلِكَ غَيْرُ مُلازِمٍ لِلْأُلُوهِيَّةِ، دَلَّ عَلى أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ هو الإلَهُ لا غَيْرُهُ في الكَوْنَيْنِ بِدَلِيلٍ بَدِيهِيٍّ يَشْتَرِكُ في عِلْمِهِ النّاسُ كُلُّهُمْ، وقَدَّمَ السَّماءَ لِيَكُونَ أصْلًا في ذَلِكَ يُتْبَعُ لِأنَّ الأرْضَ تَبَعٌ لَها في غالِبِ الأُمُورِ، فَقالَ دالًّا عَلى أنَّ نِسْبَةَ الوُجُودِ كُلِّهِ إلَيْهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الِاحْتِياجِ إلى مَكانٍ أوْ زَمانٍ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: تَنَزُّهٌ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ الَّذِي هو مَعْنى ﴿سُبْحانَ﴾ [الزخرف: ٨٢] ﴿وهُوَ الَّذِي﴾ هو ﴿فِي السَّماءِ إلَهٌ﴾ أيْ مَعْبُودٌ لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ ﴿وفِي الأرْضِ إلَهٌ﴾ تَوَجُّهُ الرَّغَباتِ إلَيْهِ في جَمِيعِ الأحْوالِ، ويُخْلِصُ لَهُ في جَمِيعِ أوْقاتِ (p-٤٩٢)الِاضْطِرارِ، فَقَدْ وقَعَ الإجْماعُ مِن جَمِيعِ مَن في السَّماءِ والأرْضِ عَلى إلَهِيَّتِهِ فَثَبَتَ اسْتِحْقاقُهُ لِهَذِهِ الرُّتْبَةِ وثَبَتَ اخْتِصاصُهُ بِاسْتِحْقاقِها في الشَّدائِدِ فَباقِي الأوْقاتِ كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ لِأنَّهُ لا مُشارِكَ لَهُ في مِثْلِ هَذا الِاسْتِحْقاقِ، فَعِبادَةُ غَيْرِهِ باطِلَةٌ، قالَ في القامُوسِ: ألَهَ - أيْ بِالفَتْحِ - إلاهَةٌ وأُلُوهَةٌ وأُلُوهِيَّةٌ: عَبَدَ عِبادَةً، ومِنهُ: لَفْظُ الجَلالَةِ - وأصْلُهُ: إلَهٌ بِمَعْنى مَعْبُودٍ وكُلُّ ما اتُّخِذَ مَعْبُودًا فَهو إلَهٌ عِنْدَ مُتَّخِذِهِ، وألِهَ كَفَرِحَ: تَحَيَّرَ، فَقَدْ عَلِمَ مِن هَذا جَوازَ تَعَلُّقِ الجارِّ بِإلَهٍ. ولَمّا كانَ الإلَهُ لا يَصْلُحُ لِلْأُلُوهِيَّةِ إلّا إذا كانَ يَضَعُ الأشْياءَ في مَحَلِّها بِحَيْثُ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ فَسادٌ، ولا يَضُرُّها إفْسادُ مُفْسِدٍ، وكانَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا بالِغَ العِلْمِ قالَ: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ أيِ البَلِيغُ الحِكْمَةِ، وهي العِلْمُ الَّذِي لِأجْلِهِ وجَبَ الحُكْمُ مِن قِوامٍ مِن أمْرِ المَحْكُومِ عَلَيْهِ في عاجِلَتِهِ وآجِلَتِهِ، ولَمّا كانَتِ الحِكْمَةُ العِلْمَ بِما لِأجْلِهِ وجَبَ الحُكْمُ قالَ تَعالى: ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ البالِغِ في عِلْمِهِ إلى حَدٍّ لا يَدْخُلُ في عَقْلِ العُقَلاءِ (p-٤٩٣)أكْثَرَ مِن وصْفِهِ بِهِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ ولَوْ وسِعُوا أفْكارَهم وأطالُوا أنْظارَهم لِأنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في ذاتِهِ ولا صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ لِيُقاسَ بِهِ، وكُلُّ مَنِ ادَّعى فِيهِ أنَّهُ شَرِيكٌ لَهُ لا يَقْدِرُ مَن أشْرَكَ بِهِ أنْ يَدَّعِيَ لَهُ ما وصَفَ بِهِ مِنَ الإجْماعِ عَلى أُلُوهِيَّتِهِ ومِن كَمالِ عِلْمِهِ وحُكْمِهِ، فَثَبَتَ قَطْعًا بِبُطْلانِ الشَّرِكَةِ بِوَجْهٍ يَفْهَمُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَلا خَلاصَ حِينَئِذٍ إنْ خالَفَ كائِنًا مَن كانَ، وإذًا قَدْ صَحَّ أنَّهُ الإلَهُ وحْدَهُ وأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ شَرِيكٍ ووَلَدٍ وكُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ كانَ بِحَيْثُ لا يَخافُ وعِيدَهُ، فَلا يَخُوضُ ولا يَلْعَبُ عَبِيدُهُ، ومَن خاضَ مِنهم أوْ لَعِبَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ، فَإنَّ عَمَلَهُ مَحْفُوظٌ بِعِلْمِهِ فَهو مُجازٍ عَلَيْهِ بِحِكْمَتِهِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب