الباحث القرآني

ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا أنَّهُ غَيْرُ مُهانٍ، صَرَّحَ بِهِ عَلى وجْهِ الحَصْرِ قَصْرَ قَلْبٍ لِمَن يَدَّعِي أنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الإلَهِيَّةِ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هُوَ﴾ أيْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿إلا عَبْدٌ﴾ ولَيْسَ هو بِإلَهٍ ﴿أنْعَمْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ والإحْسانِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ بِالنُّبُوَّةِ والإقْدارِ عَلى الخَوارِقِ ﴿وجَعَلْناهُ﴾ بِما خَرَقْنا بِهِ العادَةَ في مِيلادِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِهِ ﴿مَثَلا﴾ أيْ أمْرًا عَجِيبًا مَعَ وُضُوحِهِ وجَلائِهِ فِيهِ خَفاءٌ ومَوْضِعُ شُبْهَةٍ بِأنْ جَعَلْناهُ مِن أُنْثى فَقَطْ بِلا واسِطَةٍ ذَكَرٍ لِيُضِلَّ بِذَلِكَ مَن يَقِفُ مَعَ المَحْسُوساتِ، ودَلَلْنا عَلى الحَقِّ فِيهِ بِما مَنَحَنا بِهِ مِنَ الخَوارِقِ وزُكاءِ الأخْلاقِ وطِيبِ الشِّيَمِ والإعْراقِ إسْعادًا لِمَن أعْلَيْناهُ بِنُورِ قَلْبِهِ وصَفاءِ لُبِّهِ إلى إحْسانِ النَّظَرِ في المَعانِي ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ الَّذِينَ هم أعْلَمُ النّاسِ بِهِ، بَعْضُهم بِالمُشاهَدَةِ وبَعْضُهم بِالنَّقْلِ القَرِيبِ، فَلَمّا جاءَهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ الجَلِيَّةِ في كَوْنِها حَقًّا بِما كانَ عَلى يَدَيْهِ ويَدَيْ أُمِّهِ مِنَ الكَراماتِ، آمَنَ بِهِ مَن بَصَّرَهُ اللهُ مِنهُ بِالحَقِّ مِن أمْرِهِ بِما كانَ فِيهِ (p-٤٥٨)مِنَ الكَراماتِ، وكانَ كُلَّما رَأى رَجُلًا مِنهم عَلى مِنهاجِهِ في أعْمالِهِ وكَرامَتِهِ اهْتَدى إلى الحَقِّ مِن أمْرِهِ، وقالَ: هَذا مَثَلُهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فانْتَفَعَ بِالنَّبِيِّ ومَن تَبِعَهُ بِإحْسانٍ، فَنالَ مِنَ اللهِ الرِّضْوانَ، وقالَ أيْضًا هَذا المُوَفَّقُ مُسْتَبْصِرًا في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَثَلُهُ في ذَلِكَ مَثَلُ أبِيهِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إخْراجِهِ مِن أُنْثى بِلا ذَكَرٍ، بَلْ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْجَبُ، ومِثْلُ ابْنِ خالَتِهِ يَحْيى وجَدَهُ إسْحاقُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ في إخْراجِ كُلٍّ مِنهُما بِسَبَبٍ هو في غايَةِ الضَّعْفِ، هَذِهِ أمْثالُهُ الحَسَنَةُ وقالَ مَن أرادَ اللهُ بِهِ الضَّلالَ مِنهم غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المُحالِ، فَلَمّا جَعَلُوا لَهُ أمْثالَ السُّوءِ ضَرَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ، وقالابْنُ بُرْجانَ: خَصَّهم - أيْ بَنِي إسْرائِيلَ - بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المَفْتُونُونَ بِالدَّجّالِ المُسارِعُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما المَثَلُ في ذَلِكَ مَتى جاءَ الدَّجّالُ بِتِلْكَ الآياتِ يَدْعُو إلى نَفْسِهِ فَيُعارِضُ ما يَأْتِي بِهِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إحْياءِ المَوْتى وتَأْيِيدِهِ بِرُوحِ القُدُسِ، أيْ فَيُضِلُّ عَنِ الأمْرِ الواضِحِ مَن أرادَ اللهُ فِتْنَتَهُ - انْتَهى، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَعْنى كَوْنِهِ مَثَلًا أنَّهُ جَعَلَ أمْرَهُ واضِحًا جِدًّا بِحَيْثُ أنَّهُ يُمَثِّلُ بِهِ فَيَكُونُ مُوَضِّحًا لِغَيْرِهِ، ولا يَحْتاجُ هو إلى مَثَلٍ يُوَضِّحُهُ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب