الباحث القرآني
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ التّامَّ في عالَمِ (p-٣٥٢)الخَلْقِ بِالأجْسامِ المَرْئِيَّةِ وفي عالِمِ الأمْرِ بِالأرْواحِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ القائِمَةِ بِالأبْدانِ والمُدَبِّرَةِ لِلْأدْيانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن بَدِيعِ الشَّأْنِ، فَقالَ في افْتِتاحِ السُّورَةِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ [الشورى: ٣] وأتْبَعَهُ أشْكالَهُ إلى أنْ قالَ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] الآيَةُ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ [الشورى: ١١] - الآيَةُ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الشورى: ١٢] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ [الشورى: ٢٠] - الآيَةُ،
﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] - الآيَةُ إلى أنْ ذَكَرَ أحْوالَ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ﴾ [الشورى: ٤٤] - الآياتُ، وخَتَمَ بِتَصَرُّفِهِ المُطْلَقِ في الإنْسانِ مِن إنْعامٍ وانْتِقامٍ، وما لَهُ مِنَ الطَّبْعِ المُعْوَجِّ مَعَ ما وهَبَهُ لَهُ مِنَ العَقْلِ المُقَيَّمِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ التّامَّ مُلْكًا ومَلَكُوتًا خَلْقًا وأمْرًا، أتْبَعُهُ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ تَصَرُّفَهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُلْكِ والقَهْرَ إيجادًا وإعْدامًا إهانَةً وإكْرامًا، فَقالَ صارِفًا القَوْلَ عَنْ أُسْلُوبِ العَظَمَةِ الَّتِي (p-٣٥٣)مِن حَقِّها دَوامُ الخُضُوعِ وإهْلاكِ الجَبابِرَةِ إلى أعْظَمَ مِنها بِذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِمَظْهَرِ العَظَمَةِ ومَقامِ اللُّطْفِ والإحْسانِ والرَّحْمَةِ نَتِيجَةً لِكُلِّ ما مَضى: ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ﴾ كُلُّها عَلى عُلُوِّها وارْتِفاعِها وتَطابُقِها وكِبَرِها وعِظَمِها وتَباعُدِ أقْطارِها ﴿والأرْضِ﴾ جَمِيعُها عَلى تَبايُنِها وتَكاثُفِها واخْتِلافُ أقْطارِها وسُكّانِها واتِّساعِها.
ولَمّا أخْبَرَ بِانْفِرادِهِ بِالمُلْكِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْلُقُ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿ما يَشاءُ﴾ أيْ وإنْ كانَ عَلى غَيْرِ اخْتِيارِ العِبادِ، ثُمَّ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما يُشاهِدُ مِن حالِ النّاسِ فَإنَّهُ لِما اسْتَوى البَشَرُ في الإنْسانِيَّةِ والنِّكاحِ الَّذِي هو سَبَبُ الوِلادَةِ اخْتَلَفَتْ أصْنافُ أوْلادِهِمْ. كانَ ذَلِكَ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ لا اخْتِيارَ لِأحَدٍ مَعَهُ وأنَّ الأسْبابَ لا تُؤَثِّرُ أصْلًا إلّا بِهِ. ولَمّا كانَتْ وِلادَةُ الإناثِ أدَلُّ عَلى عَدَمِ اخْتِيارِ الوَلَدِ وكانُوا يَعُدُّونَهُ مِنَ البَلاءِ الَّذِي خَتَمَ بِهِ ما قَبْلَها قَدَّمَهُنَّ في الذِّكْرِ فَقالَ: ﴿يَهَبُ﴾ خَلْقًا ومَوْلِدًا ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أوْلادًا (p-٣٥٤)﴿إناثًا﴾ أيْ فَقَطْ لَيْسَ مَعَهُنَّ ذِكْرٌ كَما في لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ فِيهِنَّ بِلَفْظِ الهِبَةِ لِأنَّ الأوْهامَ العادِيَّةَ قَدْ تَكْتَنِفُ العَقْلَ فَتَحْجُبُهُ عَنْ تَأمُّلِ مَحاسِنِ التَّدْبِيراتِ الإلَهِيَّةِ، وتَرْمِي بِهِ في مُهاوِي الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَيَقَعُ المُسْلِمُ مَعَ إسْلامِهِ في مُضاهاةِ الكُفّارِ في كَراهَةِ البَناتِ وفي وادِي الوَأْدِ بِتَضْيِيعِهِنَّ أوِ التَّقْصِيرِ في حُقُوقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأُنْثى نِعْمَةٌ، وأنَّ نِعْمَتَها لا تَنْقُصُ عَنْ نِعْمَةِ الذَّكَرِ ورُبَّما زادَتْ، وإيقاظًا مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ عَلى أنَّ التَّقْدِيمَ وإنْ كانَ لِما قَدَّمَتْهُ لا يُقَدِّمُ تَأْنِيسًا وتَوْصِيَةً لَهُنَّ واهْتِمامًا بِأمْرِهِنَّ، نَقَلَ ابْنُ مَيْلَقٍ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ أنَّ واثِلَةَ بْنَ الأسْقَعِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: مَن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِالأُنْثى قَبْلَ الذَّكَرِ لِأنَّ اللهَ تَعالى بَدَأ بِالإناثِ، ولِذَلِكَ رَغَّبَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الإحْسانِ إلَيْهِنَّ في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أجَرًا كَبِيرًا ولِأجْلِ تَضْمِينِ الهِبَةِ مَعَ الخَلْقِ عَداها بِاللّامِ مَعَ أنَّ فِعْلَها مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ الوَلَدَ كانَ لِغَيْرِ الوالِدِ ووَهَبَهُ اللهُ لَهُ. (p-٣٥٥)ولَمّا كانَ الذَّكَرُ حاضِرًا في الذِّهْنِ لِشَرَفِهِ ومَيْلِ النَّفْسِ إلَيْهِ لا سِيَّما وقَدْ ذَكَرَ بِهِ ذِكْرَ الإناثِ، عَرَّفَ لِذَلِكَ وجَبْرًا لِما فَوَّتَهُ مِنَ التَّقْدِيمِ في الذَّكَرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ ما أخَّرَ إلّا لَمّا ذَكَرَ مِنَ المَعْنى فَقالَ: ﴿ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ أيْ فَقَطْ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ أُنْثى كَما صَنَعَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو عَمُّ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
{"ayah":"لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ یَخۡلُقُ مَا یَشَاۤءُۚ یَهَبُ لِمَن یَشَاۤءُ إِنَـٰثࣰا وَیَهَبُ لِمَن یَشَاۤءُ ٱلذُّكُورَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











