الباحث القرآني
ولَمّا أثْبَتَ رُؤْيَتَهُمُ العَذابَ، أثْبَتَ دُنُوَّهم مِن مَحَلِّهِ وبَيْنَ حالِهِمْ في ذَلِكَ الدُّنُوِّ فَقالَ: ﴿وتَراهُمْ﴾ أيْ يا أكْمَلَ الخَلْقِ ويا أيُّها المُتَشَوِّفُ (p-٣٤٣)إلى العِلْمِ بِحالِهِمْ بِعَيْنِكَ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُ عَرْضَهم ويُكَرِّرُ، وهو إلْجاؤُهم إلى أنْ يُقارِنُوها بِعَرْضِهِمُ الَّذِي يُلْزِمُ مُحاذاتِهِمْ لَها أيْضًا بِطُولِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّها مَصِيرُهم فَلا مانِعَ لَها مِنهم ﴿عَلَيْها﴾ أيِ النّارِ الَّتِي هي دارُ العَذابِ مُكَرِّرًا عَرْضَهم في طُولِ المَوْقِفِ مَعَ ما هم فِيهِ مِن تِلْكَ الأهْوالِ بِمُقاساةِ ما عَلَيْهِمْ مِنَ الأحْمالِ الثِّقالِ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿خاشِعِينَ﴾ أيْ في غايَةِ الضَّعَةِ والإلْقاءِ بِاليَدِ خُشُوعًا هو ثابِتٌ لَهم.
ولَمّا كانَ الخُشُوعُ قَدْ يَكُونُ مَحْمُودًا قالَ: ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ لِأنَّهم عَرَفُوا إذْ ذاكَ ذُنُوبُهم وانْكَشَفَتْ لَهم عَظْمَةُ مَن عَصَوْهُ.
ولَمّا كانَ الذُّلُّ ألْوانًا، صَوَّرَهُ بِأقْبَحِ صُورَةٍ فَقالَ مُعَبِّرًا بِلَفْظِ النَّظَرِ الَّذِي هو مُماسَّةُ البَصَرِ لِظاهِرِ المُبْصِرِ: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يَبْتَدِئُ نَظَرَهُمُ المُتَكَرِّرَ ﴿مِن طَرْفٍ﴾ أيْ تَحْرِيكٍ لِلْأجْفانِ ﴿خَفِيٍّ﴾ يَعْرِفُ فِيهِ الذُّلَّ لِأنَّهُ لا يَكادُ مِن عَدَمِ التَّحْدِيقِ يَظُنُّ أنَّهُ يَطْرِفُ لِأنَّهم يُسارِقُونَ النَّظَرَ مُسارَقَةً كَما تَرى الإنْسانَ يَنْظُرُ إلى المَكارِهِ، والصَّبُورَ يَنْظُرُ (p-٣٤٤)إلى السَّيْفِ الَّذِي جُرِّدَ لَهُ فَهو بِحَيْثُ لا يُحَقِّقُ مَنظُورًا إلَيْهِ، بَلْ رُبَّما تَخَيَّلَهُ بِأعْظَمِ مِمّا هو عَلَيْهِ. ولَمّا صَوَّرَ حالَهم وكانَ مِن أفْظَعِ الأشْياءِ وأقْطَعِها لِلْقُلُوبِ شَماتَةُ العَدُوِّ، قالَ مُبَشِّرًا لِجَمِيعِ أصْنافِ أهْلِ الإيمانِ ورادِعًا لِأهْلِ الكُفْرانِ: ﴿وقالَ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَوْقِفِ الأعْظَمِ عَلى سَبِيلِ التَّعْبِيرِ لَهم والتَّبْكِيتِ والتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ سَواءٌ كانَ إيقاعُهم لَها في أدْنى الرُّتَبِ أوْ أعْلاها عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم عَلى هَذا الحالِ، مُؤَكِّدِينَ لِتَحْقِيقِ مَقالِهِمْ عِنْدَ مَن قَضى بِضَلالِهِمْ والإعْلامِ بِما لَهم مِنَ السُّرُورِ بِصَلاحِ حالِهِمْ، والحَمْدُ لِمَن مَنَّ عَلَيْهِمْ بِحِسِّ مُنْقَلَبِهِمْ ومَآلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم هَذا في الدُّنْيا لِما غَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الهَيْبَةِ عِنْدَما تَحَقَّقُوا هَذِهِ المَواعِظَ: ﴿إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ كَمُلَتْ خَسارَتُهم هم خاصَّةً ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِما اسْتَغْرَقَها مِنَ العَذابِ ﴿وأهْلِيهِمْ﴾ بِمُفارَقَتِهِمْ لَهم إمّا في إطْباقِ العَذابِ إنْ كانُوا مِثْلَهم في الخُسْرانِ أوْ في دارِ الثَّوابِ إنْ كانُوا مِن أهْلِ الإيمانِ. (p-٣٤٥)ولَمّا أخْبَرَ بِخَسارَتِهِمْ بَيْنَ ظَرْفِها تَهْوِيلًا لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِهَذا القَوْلِ وهو أرْدَعُ لِمَن لَهُ مَسْكَةٌ لِأنَّ مَن جَوَّزَ أنْ يَخْسَرَ وأنَّ عَدُوَّهُ يَطَّلِعُ عَلى خَسارَتِهِ ويَظْهَرُ الشَّماتَةَ بِهِ، كانَ جَدِيرًا بِأنْ يَتْرُكَ السَّبَبَ الحامِلَ عَلى الخَسارَةِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيِ الَّذِي هو يَوْمُ فَوْتِ التَّدارُكِ لِأنَّهُ لِلْجَزاءِ لا لِلْعَمَلِ لِفَواتِ شَرْطِهِ بِفَواتِ الإيمانِ بِالغَيْبِ لِانْكِشافِ الغِطاءِ. ولَمّا كانَ هَذا نِهايَةَ الخَسارَةِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُنادِيًا ذاكِرًا سَبَبَ هَذِهِ الخَسارَةِ المُعَيَّنَةِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ الظّالِمِينَ لَها وإنْ كانَ مَن تَتِمَّةِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ هُناكَ، فالتَّأْكِيدُ مَعَ ما يُفِيدُ الإخْبارُ بِهِ في هَذِهِ الدّارِ مِن رَدْعِ المُنْكِرِ لِلْإعْلامِ بِما لَهم مِنَ اللَّذَّةِ فِيما رَأوْا مِن سُوءِ حالِهِمْ وتَقَطُّعِ أوْصالِهِمْ ورَجائِهِمْ مِن أنْ يَنْقَطِعَ عَنْهم ذَلِكَ كَما يَنْقَطِعُ عَنْ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في هَذا الوَصْفِ فَهم بِحَيْثُ لا يَنْفَكُّونَ عَنْ فِعْلِ الماشِي في الظَّلامِ بِوَضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها ﴿فِي عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ لا يُزايِلُهم أصْلًا، فَلِذَلِكَ لا يَفْرَغُونَ مِنهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، فَلِذَلِكَ كانَ خُسْرانُهم لِكُلِّ شَيْءٍ.
{"ayah":"وَتَرَىٰهُمۡ یُعۡرَضُونَ عَلَیۡهَا خَـٰشِعِینَ مِنَ ٱلذُّلِّ یَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِیࣲّۗ وَقَالَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّ ٱلۡخَـٰسِرِینَ ٱلَّذِینَ خَسِرُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِیهِمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِۗ أَلَاۤ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِینَ فِی عَذَابࣲ مُّقِیمࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











