الباحث القرآني
ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ عَلى صُورَةِ الِاخْتِبارِ لَنْ يَسْتَبْصِرَ فَيَدُومُ إخْلاصُهُ، ومَن يَرْجِعُ إلى العَمى فَلا يَكُونُ خَلاصَهُ، قالَ مُبَيِّنًا بِالنَّصْبِ (p-٣٢٣)لِلصَّرْفِ عَنِ العَطْفِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأفْعالِ الماضِيَةِ لِفَسادِ المَعْنى لِكَوْنِها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، فَيَصِيرُ العِلْمُ أيْضًا مَشْرُوطًا: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أيْ عِنْدِ النَّجاةِ بِالعَفْوِ. ولَمّا كانَ مَقامُ العَظَمَةِ شَدِيدَ المُنافاةِ لِلْمُجادَلَةِ، لَفَتَ القَوْلَ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿فِي آياتِنا﴾ أيْ هَذِهِ الَّتِي لا تُضاهِي عَظَمَتَها ولا تُقايِسُ جَلالَتَها وعِزَّتَها رُجُوعًا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والنِّزاعِ في تَمامِ القُدْرَةِ بِإنْكارِ البَعْثِ، ومِن واوِ الصَّرْفِ يَعْرِفُ أنَّ مَدْخُولَها مُفْرَدٌ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ لِأنَّ النَّصْبَ فِيها بِتَقْدِيرٍ أنْ فَيَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ فالتَّقْدِيرِ هُنا: وعِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِالمُجادِلِينَ عِنْدَ هَذا حاصِلٌ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ لِتَجَدُّدٍ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِكُلِّ مُجادِلٍ كُلَّما حَصَلَ جِدالٌ، وقِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِالرَّفْعِ دالَّةٌ عَلى هَذا، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: وهو يَعْلَمُ - فالرَّفْعُ هُنا والنَّصْبُ سَواءٌ، قالَ الرَّضِيُّ في شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الحاجِبِ في نَواصِبِ الفِعْلِ: والفاءُ - أيْ ناصِبَةً - بِشَرْطَيْنِ: السَّبَبِيَّةُ، والثّانِي أنْ يَكُونَ قَبْلَها أحَدُ الأشْياءِ الثَّمانِيَةِ، والواوُ الواقِعَتَيْنِ بَعْدَ الشَّرْطِ قَبْلَ الجَزاءِ نَحْوُ إنْ تَأْتِنِي فَتُكْرِمَنِي (p-٣٢٤)أوْ تُكْرِمُنِي أنْتَ، أوْ بَعْدَ الشَّرْطِ والجَزاءِ: إنْ تَأْتِنِي إنَّكَ فَأُكْرِمْكَ أوْ وأُكْرِمْكَ، وذَلِكَ لِمُشابَهَةِ الشَّرْطِ في الأوَّلِ والجَزاءِ في الثّانِي النَّفْيِ، إذِ الجَزاءُ مَشْرُوطٌ ووُجُودُهُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، ووُجُودُ الشَّرْطِ مَفْرُوضٌ، فَكِلاهُما غَيْرُ مَوْصُوفَيْنِ بِالوُجُودِ حَقِيقَةً، وعَلَيْهِ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ﴾ في قِراءَةِ النَّصْبِ، ثُمَّ قالَ: وكَذا يَقُولُ في الفِعْلِ المَنصُوبِ بَعْدَ واوِ الصَّرْفَ أنَّهم لَمّا قَصَدُوا فِيها مَعْنى الجَمْعِيَّةِ نَصَبُوا المُضارِعَ بَعْدَها لِيَكُونَ الصَّرْفُ عَنْ سُنَنِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ مُرْشِدًا مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّها لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ فَهي إذَنْ إمّا واوُ الحالِ وأكْثَرُ دُخُولِها عَلى الِاسْمِيَّةِ فالمُضارِعُ بَعْدَها في تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفِ الخَبَرِ وُجُوبًا، فَمَعْنى قُمْ وأقُومُ: قُمْ وقِيامِي ثابِتٌ: أيْ في حالِ ثُبُوتِ قِيامِي، وأمّا بِمَعْنى مَعَ وهي لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الِاسْمِ قَصَدُوا ها هُنا مُصاحَبَةَ الفِعْلِ لِلْفِعْلِ مَنصُوبًا ما بَعْدَها، فَمَعْنى قُمْ وأقُومُ: قُمْ مَعَ قِيامِي كَما قَصَدُوا في المَفْعُولِ مَعَهُ مُصاحَبَةَ الِاسْمِ لِلِاسْمِ فَنَصَبُوا ما بَعْدَ الواوِ، ولَوْ جَعَلْنا الواوَ عاطِفَةً لِلْمَصْدَرِ مُتَصَيِّدٌ مِنَ الفِعْلِ قَبْلَهُ النَّجاةُ، أيْ لَمْ يَكُنْ مِنكَ قِيامٌ وقِيامٌ مِنِّي، لَمْ يَكُنْ فِيهِ نُصُوصِيَّةٌ عَلى مَعْنى الجَمْعِ، والأوْلى في قَصْدِ النُّصُوصِيَّةِ في شَيْءٍ عَلى مَعْنى أنْ يَجْعَلَ عَلى وجْهٍ (p-٣٢٥)يَكُونُ ظاهِرًا فِيما قَصَدُوا النُّصُوصِيَّةَ عَلَيْهِ، وإنَّما شَرَطُوا في نَصْبِ ما بَعْدَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ كَوْنُ ما قَبْلَها أحَدُ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ أيِ الأمْرِ والنَّهْيِ والنَّفْيِ والِاسْتِفْهامِ والتَّمَنِّي والعَرْضِ والتَّحْضِيضِ والرَّجاءِ لِأنَّها غَيْرُ حاصِلَةِ المَصادِرِ فَتَكُونُ كالشَّرْطِ الَّذِي لَيْسَ بِمُتَحَقِّقِ الوُقُوعِ، ويَكُونُ ما بَعْدَ الفاءِ كَجَزائِها ثُمَّ حَمَلُوا ما قَبْلَ واوِ الجَمْعِيَّةِ في وُجُوبِ كَوْنِ أحَدِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ عَلى ما قَبْلَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ الَّتِي هي أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ الواوِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ أعْنِي في انْتِصابِ المُضارِعِ بَعْدَها، وذَلِكَ لِمُشابَهَةِ الواوِ لِلْفاءِ في أصْلِ العَطْفِ، وفي صَرْفِ ما بَعْدَهُما عَنْ سُنَنِ العَطْفِ لِقَصْدِ السَّبَبِيَّةِ في إحْداهُما والجَمْعِيَّةِ في الأُخْرى، ولِقُرْبِ الجَمْعِيَّةِ مِنَ التَّعَقُّبِ الَّذِي هو لازِمُ السَّبَبِيَّةِ ثُمَّ قالَ: وكَذا رُبَّما لَمْ يَصْرِفْ بَعْدَ واوِ الحالِ قَدْ تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ المُثْبَتِ كَما ذَكَرْنا في بابِ الحالِ، نَحْوُ قُمْتُ وأضْرِبُ زَيْدًا أيْ وأنا أضْرِبُ.
ولَمّا كانَ عِلْمُ القادِرِ بِالمَعْصِيَةِ مُوجِبًا لِعَذابِ مَن عَصاهُ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ خَسِرَ مِن فِعْلِ ذَلِكَ فَيا لَيْتَ شِعْرِي ما يَكُونُ حالُهُمْ؟ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ مَحِيدٍ ومَفَرٍّ أصْلًا عَنْ عَذابِهِ، ولا بِشَيْءٍ (p-٣٢٦)يَسِيرٍ، وإنْ تَأخَّرَ في نَظَرِكم إيقاعُ العَذابِ بِهِمْ فَإنَّ عَذابَهُ سُبْحانَهُ مِنهُ ما هو باطِنٌ وهو الِاسْتِدْراجُ بِالنِّعَمِ وهَذا لا يُدْرِكُهُ إلّا أرْبابُ القُلُوبِ المُقَرَّبُونَ لَدى عَلّامِ الغُيُوبِ، ومِنهُ ما هو ظاهِرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”الَّذِينَ“ فاعِلُ ”يَعْلَمُ“، وحِينَئِذٍ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ لِسَدِّها مَسَدَّ مَفْعُولِ العِلْمِ.
{"ayah":"وَیَعۡلَمَ ٱلَّذِینَ یُجَـٰدِلُونَ فِیۤ ءَایَـٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِیصࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











