الباحث القرآني
(p-٢٩٠)ولَمّا تَقَرَّرَ ما شَرَعَ مِنَ الدِّينِ مِمّا وصّى بِهِ جَمِيعَ النَّبِيِّينَ فَبانَتْ أُصُولُهُ، واتَّضَحَتْ فُرُوعُهُ وفُصُولُهُ، وظَهَرَتْ غَرائِبُهُ وأشْرَقَتْ فَرائِدُهُ وآياتُهُ، وخَتَمَ بِالقانُونِ الأعْظَمِ في أمْرِ الدّارَيْنِ مِمّا هو مُشاهَدٌ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَكانَ التَّقْدِيرُ مِن غَيْرِ خَفاءٍ: هَذا شَرْعُ اللهِ الَّذِي ارْتَضاهُ لِعِبادِهِ وحَكَمَ بِأنَّ الإقْبالَ عَلَيْهِ غَيْرُ ضارٍّ بِطَلَبِ الرِّزْقِ وقَدَّرَ الأرْزاقَ فَلا قُدْرَةَ لِأحَدٍ أنْ يَزِيدَ في رِزْقِهِ شَيْئًا، ولا أنْ يَنْقُصَ مِنهُ شَيْئًا، أقْبَلُوهُ؟ عادِلٌ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى مُقَرِّرًا مُوَبِّخًا مُنَبِّهًا عَلى ما هو الأصْلُ في الضَّلالِ عَنْ قَوانِينِهِ المُحَرَّرَةِ وشَرائِعِهِ الثّابِتَةِ المُقَرَّرَةِ: ﴿أمْ لَهُمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَرُوغُونَ يَمِينًا وشَمالًا ﴿شُرَكاءُ﴾ عَلى زَعْمِهِمْ شارَكُوا الشّارِعَ الَّذِي مَضى بَيانُ عِزَّتِهِ وظُهُورُ جَلالِهِ وعَظَمَتِهِ في أمْرِهِ حَتّى ﴿شَرَعُوا﴾ أيِ الشُّرَكاءُ الَّذِينَ طَرَقُوا ونَهَجُوا ﴿لَهُمْ﴾ أيْ لِلْكُفّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: شَرَعَ الكُفّارُ لِشُرَكائِهِمْ ﴿مِنَ الدِّينِ﴾ في العِباداتِ والعاداتِ الَّتِي تُقَرِّرُ في الأذْهانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الجَزاءِ عَلَيْها لِما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُهم عَنْ مُحاسَبَةٍ مِن تَحْتِ أيْدِيهِمْ وقَدَّرُوا لَهم مِنَ الأرْزاقِ، وعَدَلَ عَنْ أُسْلُوبِ العَظَمَةِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةً إلى ما فِيهِ مَعَ العَظَمَةِ (p-٢٩١)مِنَ الإكْرامِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الحُلْمُ المُقْتَضِي لِعَدَمِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالأخْذِ فَقالَ تَعالى: ﴿ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أيْ يُمَكِّنُ العِبادَ مِنهُ بِأمْرِهِمْ بِهِ وتَقْرِيرِهِمْ عَلَيْهِ المَلِكُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، وقَدْ مَحَقَتْ صِفاتُهُ كُلَّ صِفَةٍ وتَضاءَلَ عِنْدَها كُلُّ عَظَمَةٍ، فَأقْبَلُوا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ مُعْتَدًّا بِهِ، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَلْيُسْعِدُوا مَن أقْبَلَ عَلى الدُّنْيا الَّتِي هي مَحَطُّ أمْرِهِمْ فَلا يَعْرِفُونَ غَيْرَها بِأنْ يُعْطُوهُ جَمِيعَ مُرادِهِ ويُشْقُوا مَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها، ونَسَبَ الشَّرْعَ إلى الأوْثانِ لِأنَّها سَبَبُهُ كَما كانَتْ سَبَبَ الضَّلالِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ خَلِيلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ويُضافُ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ تارَةً لِأنَّهم مُتَّخِذُوها وتارَةً إلى اللهِ تَعالى لِأنَّهم أشْرَكُوهم بِهِ، والعِبارَةُ تَأْتِي بِحَسَبِ المَقامِ.
ولَمّا عَلِمَ قَطْعًا أنَّ التَّقْدِيرَ: فَلَوْلا أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ الَّتِي يَفْعَلُونَها مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنهُ لا تُنْقِصُ مِن مُلْكِهِ سُبْحانَهُ شَيْئًا، ولا تَضُرُّ إلّا فاعِلَها مَعَ أنَّها بِإرادَتِهِ، فَكانَتْ لِمَنعِهِمْ عَنْها لَمْ يَصِلُوا إلى شَيْءٍ مِنها، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ الَّتِي سَبَقَ في الأزَلِ أنَّها لا تَكُونُ (p-٢٩٢)ولَمّا كانَ أمْرُهم هَيِّنًا، بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ، فَقالَ: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الَّذِينَ امْتَثَلُوا أمْرَهُ فالتَزَمُوا شَرْعَهُ وبَيْنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما شَرَعُوهُ لِمَن سَمَّوْهم شُرَكاءَ في أقْرَبِ وقْتٍ ولَكِنَّهُ قَدْ سَبَقَ القَضاءَ في أزَلِ الأزَلِ بِمَقادِيرِ الأشْياءِ وتَحْدِيدِها عَلى وُجُوهِ الحِكْمَةِ، فَهي تَجْرِي عَلى ما حَدَّ لَها لا تَقَدُّمَ لِشَيْءٍ مِنها ولا تَأخُّرَ ولا تَبَدُّلَ ولا تَغَيُّرَ، وسَتَنْكَشِفُ لَكُمُ الأُمُورُ وتَظْهَرُ مُخَبَّآتُ المَقْدُورِ فَلا يَقَعُ الفَصْلُ إلّا في الآخِرَةِ كَما سَبَقَ بِهِ القَضاءُ بِأنْ يَكُونَ لِلْمُقْسِطِينَ نَعِيمٌ مُقِيمٌ.
ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ أنْ يَقَعَ بِهِمْ عَذابٌ، قالَ مُؤَكِّدًا عَطْفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ: ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ﴾ بِشَرْعِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ مُؤْلِمٍ بَلِيغٍ إيلامُهُ.
{"ayah":"أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَـٰۤؤُا۟ شَرَعُوا۟ لَهُم مِّنَ ٱلدِّینِ مَا لَمۡ یَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِیَ بَیۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِینَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











