الباحث القرآني

ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا زَيْغُهم عَنْ أوامِرِ الكِتابِ الآتِي مِنَ اللَّهِ، سَبَّبَ عَنْهُ أمْرُهُ ﷺ بِإبْلاغِ النّاسِ ما يَنْفَعُهم عَنْ رِسالَةِ رَبِّهِ الَّذِي أنْزَلَ تِلْكَ الكُتُبَ في آيَةٍ واحِدَةٍ مُفَصَّلَةٍ بِعَشْرِ كَلِماتٍ في كُلِّ كَلِمَةٍ مِنها حُكْمٌ بِرَأْسِهِ، قالُوا: ولا نَظِيرَ لَها إلّا آيَةُ الكُرْسِيِّ فَإنَّها عَشَرَةُ أُصُولٍ كُلُّ أصْلٍ مِنها مُسْتَقِلٌّ بِرَأْسِهِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ حالِهِمُ الِاجْتِهادُ في إزالَتِها والعَمَلِ بِضِدِّها: ﴿فَلِذَلِكَ﴾ أيْ لِهَذا الوَحْيِ العَلِيِّ الرُّتْبَةِ الَّذِي وصَّيْنا بِمَقاصِدِهِ جَمِيعَ الرُّسُلِ أصْحابَ الشَّرائِعِ الكِبارِ مِن أُولِي العَزْمِ وغَيْرِهِمْ، أوْ لِذَلِكَ التَّصَرُّفِ المُباعِدِ (p-٢٧٢)لِلصَّوابِ والشَّكِّ في أمْرِ الكِتابِ. ولَمّا كانَ سِياقُ الدَّعْوَةِ لِلْخَلْقِ إلى ما أوْحى إلَيْهِ فَأنْزَلَ عَلَيْهِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿فادْعُ﴾ إلى مَن أرْسَلَكَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى ما أمَرَ بِهِ الإلَهُ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ. ولَمّا كانَ الدّاعِي لِغَيْرِهِ لا يَنْفَعُ دُعاءَهُ لِذَلِكَ الغَيْرِ ما لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ، قالَ: ﴿واسْتَقِمْ﴾ أيِ اطْلُبِ القَوْمَ مِن رَبِّكَ عَلى مَشاقِّ الدَّعْوَةِ لِيُعِينَكَ عَلَيْهِ وأوْجَدَهُ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ كِتابَهُ مِمّا تَدْعُو إلَيْهِ ويَجِبُ عَلَيْهِ ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ مِمَّنْ لا أمْرَ لِغَيْرِهِ في تَفاصِيلِ الدُّعاءِ مِنَ اللِّينِ والغِلْظَةِ والتَّوَسُّطِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَحْدِيثِ النّاسِ بِما تَحْتَمِلُ عُقُولُهم وتَرْبِيَتُهم عَلى حَسَبِ ما يَنْفَعُهم. ولَمّا كانَ كُلُّ ما خالَفَ كِتابَنا هَوًى، وكُلُّ ما خالَفَ كِتابَنا فَهو عَلى مُجَرَّدِ الهَوى، قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعْ﴾ أيْ تَعَمُّدًا ﴿أهْواءَهُمْ﴾ في شَيْءٍ ما، فَإنَّ الهَوى لا يَدْعُو إلى خَيْرٍ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ أحَدٍ أنْ يَفْعَلَ ما أمَرَ بِهِ لِأجْلِ أنَّهُ أمَرَ بِهِ لا لِأجْلِ أنَّهُ يَهْواهُ. ولَمّا كانُوا قَدْ تَفَرَّقُوا في الكِتابِ وشَكُّوا فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، أمَرَهُ بِما يُخالِفُ حالَهم فَقالَ: ﴿وقُلْ﴾ أيْ لِجَمِيعِ أهْلِ الفِرَقِ، وكُلَّ مَن يُمْكِنُ لَهُ القَوْلُ فَإنَّكَ أُرْسِلْتَ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ: ﴿آمَنتُ بِما﴾ (p-٢٧٣)أيْ بِكُلِّ شَيْءٍ. ولَمّا كانَ أكْمَلَ النّاسِ إيمانًا أكْثَرَهُمُ اسْتِحْضارًا لِأوْصافِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ، صَرَفَ القَوْلَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةً إلى سُلُوكِ أعْلى المَسالِكِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ الكامِلَةُ ﴿مِن كِتابٍ﴾ لا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْءٍ مِن كُتُبِهِ ولا أحَدٍ مِن رُسُلِهِ، بَلْ كُلُّ كِتابٍ ثَبَتَ أنَّهُ نَزَلَ عَلى رَسُولٍ ثَبَتَ رِسالَتَهُ بِالمُعْجِزَةِ فَأنا بِهِ مُؤْمِنٌ وإلَيْهِ داعٍ كَما اقْتَضاهُ كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ القالِيُّ في ذَيْلِ الأمالِي: حَدَّثَنا أبُو بَكْرٍ - هو ابْنُ الأنْبارِيِّ - حَدَّثَنا أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ حَدَّثَنا صِحابُ بْنُ الحارِثِ أنا بِشْرُ بْنُ عِمارَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ قالَ: أتى عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما الإيمانُ أوْ كَيْفَ الإيمانُ؟ قالَ: الإيمانُ عَلى أرْبَعِ دَعائِمَ: عَلى الصَّبْرِ واليَقِينِ والعَدْلِ والجِهادِ، والصَّبْرِ عَلى أرْبَعِ شُعَبٍ: عَلى الشَّوْقِ والشَّفَقِ والزَّهادَةِ والتَّرَقُّبِ، فَمَنِ اشْتاقَ إلى الجَنَّةِ سَلّى عَنِ الشَّهَواتِ، ومَن أشْفَقَ مِنَ النّارِ رَجَعَ عَنِ الحُرُماتِ، ومَن زَهِدَ في الدُّنْيا تَهاوُنَ بِالمُصِيباتِ، ومَنِ ارْتَقَبَ المَوْتَ سارَعَ إلى الخَيْراتِ، واليَقِينُ عَلى أرْبَعِ شِعابٍ: تَبْصِرَةُ الفَطِنَةِ وتَأْوِيلُ الحِكْمَةِ ومَوْعِظَةُ العِبْرَةِ وسُنَّةُ الأوَّلِينَ، فَمَن تَبَصَّرَ الفِطْنَةَ تَأوَّلَ الحِكْمَةَ، ومَن تَأوَّلَ الحِكْمَةَ عَرَفَ العِبْرَةَ، ومَن عَرَفَ العِبْرَةَ عَرَفَ السُّنَّةَ، ومَن عَرَفَ السُّنَّةَ فَكَأنَّما كانَ في الأوَّلِينَ، (p-٢٧٤)والعَدْلُ عَلى أرْبَعِ شُعَبٍ: عَلى غائِصِ الفَهْمِ وزَهْرَةِ الحِلْمِ ورَوْضَةِ العِلْمِ وشَرائِعِ الحُكْمِ، فَمَن فَهِمَ جَمْعَ العِلْمِ، ومَن حَلَمَ لَمْ يَضِلَّ في الحُكْمِ، ومَن عَلَمَ عَرَفَ شَرائِعَ الحُكْمِ، ومَن حَلَمَ لَمْ يُفَرِّطْ أمْرَهُ، وعاشَ في النّاسِ. والجِهادُ عَلى أرْبَعِ شُعَبٍ: عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والصِّدْقِ في المَواطِنِ وشَنَآنِ الفاسِقِينَ، فَمَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ شَدَّ ظَهْرُ المُؤْمِنِينَ، ومَن نَهى عَنِ المُنْكَرِ أرْغَمَ آنافَ الفاسِقِينَ، ومَن صَدَقَ في المُواطِنِ فَقَدْ قَضى الَّذِي عَلَيْهِ، ومَن شَنِئَ المُنافِقِينَ غَضِبَ لِلَّهِ وغَضِبَ اللَّهُ لَهُ فَأزْلَفَهُ وأعْلى مَقامَهُ، قالَ: فَقامَ الرَّجُلُ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ. ولَمّا أخْبَرَ بِالعَدْلِ في القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، أتْبَعَهُ ذَلِكَ في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَقالَ: ﴿وأُمِرْتُ﴾ أيْ مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِما أمَرَنِي بِهِ مِمّا أنْزَلَ عَلَيَّ ﴿لأعْدِلَ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ أعْدِلَ ﴿بَيْنَكُمُ﴾ أيُّها المُفَرَّقُونَ في الأدْيانِ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ كَما دَعى إلَيْهِ كَمالَ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ (p-٢٧٥)﴿رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ مُوجِدُنا ومُتَوَلِّي جَمِيعَ أُمُورِنا، فَلِهَذا أمَرَنا بِالعَدْلِ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ لِأنَّ الكُلَّ عِبادُهُ. ولَمّا كانَ الرَّبُّ واحِدًا، أنْتَجَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿لَنا أعْمالُنا﴾ خاصَّةً بِنا لا تَعُدُّونا إلى غَيْرِنا ﴿ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ خاصَّةً بِكم لا تَعْدُوكم إلى غَيْرِكُمْ، لِأنَّهُ لا داعِيَ لِأنْ نَأْخُذَ عَمَلَ بَعْضِنا فَنُعْطِيَهُ لِغَيْرِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا ذُو غَرَضٍ، وهو سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَهو مُنَزَّهٌ عَنِ الأغْراضِ، ولَمّا وصَلَ بِتَمامِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في إزالَةِ الرَّيْبِ وإثْباتِ الحَقِّ إلى ما هو كالشَّمْسِ لِثُبُوتِ الرِّسالَةِ بِالمُعْجِزاتِ وإعْجازِ هَذا الكِتابِ وتَصادُقِهِ مَعَ ما عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ، وبَيانِ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لا نِزاعَ بَيْنَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ فِيهِما كانَتْ نَتِيجَةُ ذَلِكَ: ﴿لا حُجَّةَ﴾ أيْ مَوْجُودَةً بِمُحاجَّةِ أحَدٍ مِنّا لِصاحِبِهِ ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ لِأنَّ الأمْرَ وصَلَ إلى الِانْكِشافِ التّامِّ فَلا فائِدَةَ بَعْدَهُ لِلْمُحاجَّةِ فَما بَقِيَ إلّا المُجادَلَةُ بِالسُّيُوفِ، وإدارَةُ كُؤُوسِ الحُتُوفِ، لِأنّا نَعْلَمُ بِإعْلامِ اللهِ لَنا في كِتابِهِ الَّذِي دَلَّنا إعْجازُهُ لِلْخَلائِقِ عَلى أنَّهُ كَلامُهُ، (p-٢٧٦)فَنَحْنُ نُسْمِعُهُ لِذَلِكَ مِنهُ أنا عَلى مَحْضِ الحَقِّ وأنَّكم عَلى مَحْضِ الباطِلِ، وقَدْ أعْذَرْنا إلَيْكم وأوْصَلْنا بِبَراهِينِهِ إلى المُشاهَدَةِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا السَّيْفُ عَمَلًا بِفَضِيلَةِ الشَّجاعَةِ. ولَمّا كانَ هَذا مَوْضِعُ أنْ يُقالَ: أفَما تَخافُونَ اللهَ فِيمَن تُقاتِلُونَهُ وهو عِبادُهُ، أجابَ بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا غَيْرَ مُضْمِرٍ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي هو أحْكَمُ الحاكِمِينَ ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ أيْ نَحْنُ وأنْتُمْ عَلى دِينٍ واحِدٍ أرادَ فَلا يَكُونُ قِتالٌ، وفي الآخِرَةِ عَلى كُلِّ حالٍ فَهو يَحْكُمُ بَيْنَنا ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] فَما أقْدَمْنا عَلى القِتالِ إلّا عَنْ بَصِيرَةٍ. ولَمّا كانَ الجامِعُ بَيْنَ ناسٍ قَدْ يَكُونُ مَآلُهم إلى غَيْرِهِ، بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ فِيهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَمِنهُ كانَ المَبْدَأُ: ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ لا إلى غَيْرِهِ مِن حَيْثُ هَذا الِاسْمُ الجامِعُ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ ﴿المَصِيرُ﴾ حِسًّا ومَعْنًى لِتَمامِ عِزَّتِهِ وشُمُولِ عَظَمَتِهِ وكَمالِ رَحْمَتِهِ، وما كانَ فِيما بَيْنَ المَبْدَأِ والمَعادِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي كانَتْ بِحَيْثُ يَظُنُّ أنَّها خارِجَةٌ - (p-٢٧٧)لِتَصَرُّفِ الغَيْرِ فِيها - إنَّما كانَتِ ابْتِلاءً مِنهُ يُقِيمُ بِها الحُجَّةَ عَلى العِبادِ عَلى ما يَتَعارَفُونَهُ بَيْنَهُمْ، وما كانَ المُتَصَرِّفُ فِيها غَيْرُهُ فَتَصَرُّفُهم إنَّما كانَ أمْرًا طارِئًا يُصَحِّحُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ ويَلْزَمُهُمُ الحُجَّةَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب