الباحث القرآني

ولَمّا دَلَّ اتِّباعُهم لِلظَّنِّ حَتّى في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي تَنْكَشِفُ فِيهِ الأُمُورُ، وتَظْهَرُ عَظائِمُ المَقْدُورِ، وإلْقاؤُهم بِأيْدِيهِمْ فِيهِ عَلى أنَّهم في غايَةِ العَراقَةِ في الجَهْلِ والرُّسُوخِ في العَجْزِ، أتْبَعَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ طَبْعُ هَذا النَّوْعِ فَلا يَزالُ مُتَبَدِّلَ الأحْوالِ مُتَغَيِّرَ المَناهِجِ، إنْ أحْسَنَ بِخَيْرٍ انْتَفَخَ عَظْمُهُ وتَطاوَلَ كِبْرًا، وإنْ مَسَّ بِبَلاءٍ تَضاءَلَ ذُلًّا وامْتَلَأ ضَعْفًا وعَجْزًا، وذَلِكَ ضِدُّ مَقْصُودِ السُّورَةِ الَّذِي هو العِلْمُ، بَيانًا لِأنَّ حالَ هَذا النَّوْعِ بِعِيدٌ مِنَ العِلْمِ، عَرِيقُ الصِّفاتِ في الجَهْلِ والشَّرِّ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ فَقالَ تَعالى: ﴿لا يَسْأمُ﴾ أيْ يَمَلُّ ويَضْجَرُ ﴿الإنْسانُ﴾ أيْ مِنَ الأُنْسِ بِنَفَسِهِ النّاظِرِ في أعْطافِهِ، الَّذِي لَمْ يَتَأهَّلْ لِلْمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ أيْ مِن طَلَبِهِ طَلَبًا عَظِيمًا، وذَلِكَ دالٌّ مَعَ شَرَهِهِ عَلى جَهْلِهِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ عالِمًا بِأنَّ الخَيْرَ يَأْتِيهِ أوْ لا يَأْتِيهِ لَخَفَّفَ عَنْ نَفْسِهِ مِن جُهْدِهِ في الدُّعاءِ ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] ﴿وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ قَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ بَغْتَةً مِن جِهَةٍ لا يَتَوَقَّعُها ﴿فَيَئُوسٌ﴾ أيْ عَرِيقٌ في اليَأْسِ، وهو انْقِطاعُ الرَّجاءِ والأمَلِ والحُزْنِ العَظِيمِ والقَطْعِ بِلُزُومِ تِلْكَ الحالَةِ (p-٢١٧)بِحَيْثُ صارَ قُدْوَةً في ذَلِكَ ﴿قَنُوطٌ﴾ أيْ مُقِيمٌ في دارِ انْقِطاعِ الأمَلِ والخَواطِرِ الرَّدِيئَةِ، فَهو تَأْكِيدٌ لِلْمَعْنى عَلى أحْسَنِ وجْهٍ وأتَمِّهِ، وهَذا هو ما طَبَّعَ عَلَيْهِ الجِنْسُ، فَمَن أرادَ اللهَ بِهِ مِنهم خَيْرًا عَصَمَهُ، ومَن أرادَ بِهِ شَرًّا أجْراهُ مَعَ الطَّبْعِ فَكانَ كافِرًا، لِأنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رُوحِ اللهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ قالَ أبُو حَيّانَ: واليَأْسُ مِن صِفَةِ القَلْبِ وهو أنْ يَنْقَطِعَ رَجاؤُهُ مِنَ الخَيْرِ، والقُنُوطُ أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ آثارُ اليَأْسِ فَيَتَضاءَلُ ويَنْكَسِرُ، وبَدَأ بِصِفَةِ القَلْبِ لِأنَّها هي المُؤَثِّرَةُ فِيما يَظْهَرُ عَلى الصُّورَةِ مِنَ الِانْكِسارِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب