الباحث القرآني
ولَمّا افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِأنَّهُ أُنْزِلَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها وأعْلاها وأبْيَنِها وأكْمَلِها مِنَ التَّفْصِيلِ، والجَمْعِ والبَيانِ بِهَذا اللِّسانِ العَظِيمِ الشَّأْنِ، فَقالُوا فِيهِ ما وقَعَتْ هَذِهِ التَّسْلِيَةُ لِأجْلِهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] إلى آخِرِهِ، وكانَ رُبَّما قالَ قائِلٌ؛ لَوْ كانَ بِلِسانٍ غَيْرِ العَرَبِ، وأعْطى هَذا النَّبِيَّ فَهَمَهُ والقُدْرَةَ وعَلى تَبْيِينِهِ لَكانَ أقْوى في الإعْجازِ وأجْدَرَ بِالِاتِّباعِ، أخْبَرَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوا: هَذا الشَّكُّ حَصَلَ لَهم في أمْرِهِ، بَلْ عِنادًا، والمُعانِدُ لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ، فَقالَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، مُعْلِمًا بِأنَّ الأمْرَ عَلى غَيْرِ ما ظَنَّهُ هَذا الظّانُّ، وقالَ الأصْبِهانِيُّ: إنَّهُ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] والأحْسَنُ عِنْدِي (p-٢٠٥)أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣] وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ بِلِسانِهِمْ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى تَعْيِينِ المُفَصَّلِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَقَدْ جَعَلْناهُ عَرِبِيًّا مُعْجِزًا، وهم أهْلُ العِلْمِ بِاللِّسانِ، فَأعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا فِيهِ ما تَقَدَّمَ، ولَفَتَ القَوْلَ عَنْ وصْفِ الإحْسانِ الَّذِي اقْتَضى أنْ يَكُونَ عَرِبِيًّا إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ الَّذِي هو مَحَطُّ إظْهارِ الِاقْتِدارِ وإنْفاذِ الكَلِمَةِ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ﴾ أيْ هَذا الذِّكْرَ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ ﴿قُرْآنًا﴾ أيْ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الجَمْعِ ﴿أعْجَمِيًّا﴾ أيْ لا يُفْصِحُ وهو مَعَ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يُناسِبُ عَظَمَتَنا لِيَشْهَدَ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ مُعْجِزٌ لِلْعَجَمِ كَما أنَّ هَذا مُعْجِزٌ لِلْعَرَبِ وأعْطَيْناكَ فَهْمَهُ والقُدْرَةَ عَلى إفْهامِهِمْ إيّاهُ ﴿لَقالُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ المُتَعَنِّتُونَ فِيهِ كَما يَقُولُونَ في هَذا بَغْيًا وتَعَنُّتًا: ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ولِمَ لا ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أيْ بُيِّنَتْ عَلى طَرِيقَةٍ نَفْهَمُها بِلا كُلْفَةٍ ولا مُبَيِّنٍ، حالَ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا كَما قَدَّمْنا أوَّلَ السُّورَةِ.
ولَمّا تَبَيَّنَ بِشاهِدِ الوُجُودِ أنَّهم قالُوا في العَرَبِيِّ الصِّرْفِ وبِشَهادَةِ (p-٢٠٦)الحَكِيمِ الوَدُودِ، وأنَّهم يَقُولُونَ في الأعْجَمِيِّ الصَّرْفِ، لَمْ يَبْقَ إلّا المُخْتَلِطُ مِنهُما المُنْقَسِمُ إلَيْهِما، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ لِلْعِلْمِ بِأنَّ ذَلِكَ مِنهم مُجَرَّدُ لَدَدٍ لا طَلَبًا لِلْوُقُوفِ عَلى سَبِيلِ الرُّشْدِ: ﴿أعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣] أيْ أمَطْلُوبُكم أوْ مَطْلُوبُنا - عَلى قِراءَةِ الخَبَرِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ - أعْجَمِيٍّ ﴿وعَرَبِيٌّ﴾ مَفَصَّلٌ بِاللِّسانَيْنِ، والأعْجَمِيُّ كَما قالَهُ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: الَّذِي لا يُفْصِحُ ولَوْ كانَ عَرَبِيًّا والعَجَمِيُّ مِنَ العَجَمِ ولَوْ تَفاصَحَ بِالعَرَبِيَّةِ.
ولَمّا كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يَقُولُوا: نَعَمْ، ذَلِكَ مَطْلُوبُنا، وكانَ نُزُولًا مِنَ الرُّتْبَةِ العُلْيا إلى ما دُونَها مَعَ أنَّهُ لا يُجِيبُ إلى المُقْتَرَحاتِ إلّا مُرِيدٌ لِلْعَذابِ، أوْ عاجِزٌ عَنْ إنْفاذِ ما نُرِيدُ، بَيْنَ أنَّ مُرادَهُ نافِذٌ مِن غَيْرِ هَذا فَقالَ: ﴿قُلْ هُوَ﴾ أيْ هَذا القُرْآنُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ العُلُوِّ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يُناظِرُهُ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أرَدْنا وُقُوعَ الإيمانِ مِنهم ﴿هُدًى﴾ بَيانٌ لِكُلِّ مَطْلُوبٍ ﴿وشِفاءٌ﴾ لِما في صُدُرُوهِمْ مِن داءِ الكُفْرِ والهَواءِ والإفْكِ فَآذانِهم بِهِ سَمِيعَةٌ وقُلُوبُهم لَهُ واعِيَةٌ وهو لَهم بَصائِرُ قالَ القُشَيْرِيُّ فَهو شِفاءٌ لِلْعُلَماءِ حَيْثُ اسْتَراحُوا عَنْ كَدِّ الفِكْرَةِ وتَحَيُّرِ الخَواطِرِ وشِفاءٍ لِضِيقِ صُدُورِ المُرِيدِينَ بِما فِيهِ مِنَ التَّنْعِيمِ بِقِراءَتِهِ والتَّلَذُّذِ بِالتَّفَكُّرِ فِيهِ، ولِقُلُوبِ المُحِبِّينَ مِن لَواعِجِ (p-٢٠٧)الِاشْتِياقِ بِما فِيهِ مِن لَطائِفِ المَواعِيدِ، ولِقُلُوبِ العارِفِينَ بِما يَتَوالى عَلَيْها مِن أنْوارِ التَّحْقِيقِ وآثارِ خِطابِ الرَّبِّ العَزِيزِ ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ أرَدْنا أنَّهُ لا يَتَجَدَّدُ مِنهم إيمانٌ ﴿فِي آذانِهِمْ وقْرٌ﴾ أيْ ثِقَلٌ مَذْهَبٌ لِلسَّمْعِ مُصِمٌّ، فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ سَماعًا يَنْفَعُهم لِأنَّهم بادَرُوا إلى رَدِّهِ أوَّلَ ما سَمِعُوهُ وتَكَبَّرُوا عَلَيْهِ فَصارُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى تَأمُّلِهِ فَهَزَّهُمُ الكَسَلُ وأصَمَّهُمُ الفَشَلُ فَعَزَّ عَلَيْهِمْ فَهْمُهُ ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿عَمًى﴾ مُسْتَعْلٍ عَلى أبْصارِهِمْ وبَصائِرِهِمْ لازَمَ لَهُمْ، فَهم لا يَعُونَهُ حَقَّ الوَعْيِ، ولا يُبْصِرُونَ الدّاعِيَ بِهِ حَقَّ الإبْصارِ، فَلَهم بِهِ ضَلالٌ وداءٌ، فَلِذَلِكَ قالُوا ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] وذَلِكَ لِما يَحْصُلُ لَهم مِنَ الشُّبَهِ الَّتِي هُيِّئَتْ قُلُوبُهم لِقَبُولِها، أوْ يَتَمادى بِهِمْ في الأوْهامِ الَّتِي لا يَأْلَفُونَ سِوى فُرُوعِها وأُصُولِها، فَقَدْ بانَ لِأنَّ سَبَبَ الوَقْرِ في آذانِهِمُ الحُكْمُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ لِلْحُكْمِ بَإشْقائِهِمْ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الهُدى والشِّفاءَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى الضَّلالِ والدّاءِ ثانِيًا، والوَقْرُ والعَمى ثانِيًا دَلِيلًا عَلى السَّمْعِ والبَصائِرِ أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ أمْدَحَ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ وأذَمَّ صِفاتِ الكافِرِينَ، لِأنَّهُ لا أحْقَرَ مِن أصَمَّ أعْمى. (p-٢٠٨)ولَمّا بانَ بِهَذا بُعْدُهم عَنْ عَلْيائِهِ وطَرْدِهِمْ عَنْ فَنائِهِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البَغْضاءُ مِثالُهم مِثالُ مَن ﴿يُنادَوْنَ﴾ أيْ يُنادِيهِمْ مَن يُرِيدُ نِداءَهم غَيْرَ اللهِ ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ فَهم بِحَيْثُ لا يَتَأبّى سَماعُهُمْ، وأمّا الأوَّلُونَ فَهم يُنادُونَ بِما هُيِّئُوا لَهُ مِنَ القَبُولِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ، فَهَذِهِ هي القُدْرَةُ الباهِرَةُ، وذَلِكَ أنْ شَيْئًا واحِدًا يَكُونُ لِناسٍ في غايَةِ القُرْبِ ولِناسٍ مَعَهم في مَكانِهِمْ في أنْهى البُعْدِ.
{"ayah":"وَلَوۡ جَعَلۡنَـٰهُ قُرۡءَانًا أَعۡجَمِیࣰّا لَّقَالُوا۟ لَوۡلَا فُصِّلَتۡ ءَایَـٰتُهُۥۤۖ ءَا۬عۡجَمِیࣱّ وَعَرَبِیࣱّۗ قُلۡ هُوَ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ هُدࣰى وَشِفَاۤءࣱۚ وَٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ فِیۤ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرࣱ وَهُوَ عَلَیۡهِمۡ عَمًىۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ یُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِیدࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











