الباحث القرآني

﴿إذْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِصاعِقَةٍ وظَرْفِيَّتُهُ لا تُنافِي عَلِّيَّتَهُ أيْ: حِينَ ﴿جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ لِأنَّ الزَّمانَ الطَّوِيلَ يُجَوِّزُ نِسْبَةَ ما وقَعَ في جُزْءٍ مِنهُ إلَيْهِ، ولَمّا كانَتِ الرُّسُلُ إنَّما أتَتْ بِالفِعْلِ في بَعْضِ الزَّمانِ أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: مِن قِبَلِهِمْ لِأنَّ النَّذِيرَ الأوَّلَ نَذِيرٌ لِكُلِّ مَن أتى بَعْدَهُ بِأنَّهُ إنْ واقَعَ ما واقَعَهُ أتاهُ ما عُذِّبَ بِهِ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ وهُمٍ مَن أتى إلَيْهِمْ لِأنَّهم (p-١٦٠)لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ إتْيانَهُمْ، فالخَلْفُ كِنايَةٌ عَنِ الخَفاءِ، والقُدّامُ عَنِ الجَلاءِ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ لَمّا انْقادَ لَهُ مِن قِبَلِهِ فَسَمِعَهُ مِنهُ أقْبَلَ مِمّا رَآهُ بِعَيْنِهِ، لِأنَّ النَّفْسَ لا تَنْقادُ لِما خالَفَها إلّا بَعْدَ جِدالٍ وجِهادٍ، فَإذا تَطاوَلَ الزَّمَنُ وانْقادَ لَهُ الغَيْرُ، سَهَّلَ عَلَيْها الأمْرُ، وخَفَّ عَلَيْها الخَطْبُ، وأيْضًا الآتِي إلى ناسٍ إنَّما يَأْتِيهِمْ بَعْدَ وُجُودِهِمْ وبُلُوغِهِمْ حَدُّ التَّكْلِيفِ، فَهو بِهَذا آتٍ إلَيْهِمْ مِن ورائِهِمْ أيْ: بَعْدَ وُجُودِهِمْ أوْ يَكُونُ ما بَيْنَ الأيْدِي هو مَن جاءَهم لِأنَّهم عَلِمُوا بِمَجِيئِهِ عِلْمَ مَن يَنْظُرُ مِن قُدّامِهِ، وما خَلْفَهم ما غابَ عَنْهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهُمْ، فَلَمْ تُنْقَلْ إلَيْهِمْ أخْبارُهم إلّا عَلى وُجُوهٍ تَحْتَمِلُ الطَّعْنَ، أوِ المَعْنى: أتاهم رَسُولُهُمُ الَّذِي هو بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ كَجَمِيعِ الرُّسُلِ بِالوَعْظِ مِن كُلِّ جانِبٍ يَخْفى عَلَيْهِمْ أوْ يَتَّضِحُ لَهم وأعْمَلَ فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ بِكُلِّ حُجَّةٍ حَتّى لَمْ يَدَعْ لَهم شُبْهَةً، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ يَنْفِي عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ وقَصَرَ العِبادَةَ عَلَيْهِ، فَقالَ مُظْهِرًا مَعَ العِبادَةِ الِاسْمَ الَّذِي هو أوْلى بِها: ”أنْ“ أيْ: بِأنْ قالُوا لَهم ”لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ“ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ. (p-١٦١)ولَمّا كانَ هَذا مَوْضِعًا لِتَشَوُّفِ السّامِعِ إلى خَبَرِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ إجابَةً بِقَوْلِهِمْ: ﴿قالُوا﴾ أيْ: كُلٌّ مِنهُمْ: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ أيِ: الَّذِي رَبّانا أحْسَنَ تَرْبِيَةٍ وجَعَلَنا مِن خَواصِّهِ بِما حَبانا بِهِ مِنَ النِّعَمِ أنْ يُرْسِلَ إلَيْنا رَسُولًا ﴿لأنْـزَلَ﴾ أيْ: إلَيْنا ﴿مَلائِكَةً﴾ فَأرْسَلَهم إلَيْنا بِما يُرِيدُهُ مِنّا لَكِنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ مَلائِكَةً فَلَمْ يَشَأْ أنْ يُرْسِلَ رَسُولًا، فَتَسَبَّبَ عَمّا قالُوهُ مِنَ القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ الَّذِي اسْتَنْتَجُوا فِيهِ مِن نَقِيضِ تالِّيهِ نَقِيضُ مُقَدَّمِهِ، لِما جَعَلُوا بَيْنَ المُقَدَّمِ والتّالِي مِنَ المُلازَمَةِ بِزَعْمِهِمْ قَوْلَهُمْ: ﴿فَإنّا بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ الَّذِي، ولَمّا كانُوا لَمْ يُنْكِرُوا مُطْلَقَ رِسالَتِهِمْ، إنَّما أنْكَرُوا كَوْنَها مِنَ اللَّهِ، بَنَوْا لِلْمَجْهُولِ قَوْلَهم مُغَلِّبًا تَعالى في التَّرْجَمَةِ عَنْهم لِلْخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ لِأنَّهُ أدْخَلُ في بَيانِ قِلَّةِ أدَبِهِمْ: ﴿أُرْسِلْتُمْ﴾ [أيْ]: أيُّها الرُّسُلُ ومَن كانَ عَلى مِثْلِ حالِهِمْ مِنَ البَشَرِ ﴿بِهِ﴾ أيْ: [عَلى] ما تَزْعُمُونَ خاصَّةً لا بِغَيْرِ ما أُرْسِلْتُمْ بِهِ مِمّا أنْزَلَ بِهِ مَلائِكَةً مَثَلًا ﴿كافِرُونَ﴾ لِأنَّ قِياسَنا قَدْ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأِ الإرْسالَ، فَأنْتُمْ لَسْتُمْ بِمُرْسَلٍ عَنْهُ لِأنَّكم بَشَرٌ لا مَلائِكَةٌ، وقَدْ كَذَّبُوا في قِياسِهِمُ الَّذِي لَمْ يَأْخُذُوهُ عَنْ عَقْلٍ ولا نَقْلٍ لِأنَّهُ لا مُلازَمَةَ بَيْنَ مَشِيئَةِ الإرْسالِ إلى النّاسِ كافَّةً أوْ إلى أُمَّةٍ مِنهم وبَيْنَ أنْ يَكُونَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ كُلُّهم مَلائِكَةً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب