الباحث القرآني

ولَمّا قَسَّمَ لَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ الحالَ إلى إصابَتِهِمْ أوْ وفاتِهِ ﷺ، وكانَ قَدْ بَقِيَ مِمّا هو أقَرُّ لِعَيْنِهِ وأشْفى لِصَدْرِهِ أنْ يُرِيَهم في حَياتِهِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، وتَحْمِلُهم عَلى المُوافَقَةِ والإذْعانِ، فَيَزُولُ النِّزاعُ بِحُسْنِ الِاتِّباعِ، كَما وقَعَ لِقَوْمِ يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ في تَعْلِيلِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ، فَلَقَدْ أرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ ولَنُنَفِّذَنَّ أمْرَنا فِيهِمْ، وأمّا أنْتَ فَما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿رُسُلا﴾ أيْ: بِكَثْرَةٍ. ولَمّا كانَ الإرْسالُ إنَّما هو في بَعْضِ الزَّمانِ الماضِي وإنْ كانَ بُلُوغُ رِسالَةِ كُلٍّ لِمَن بَعْدَهُ مُوجِبَةً لِانْسِحابِ حُكْمِ رِسالَتِهِ إلى مَجِيءِ الرَّسُولِ الَّذِي يَقْفُوهُ، أثْبَتَ الجارَّ لِإرادَةِ الحَقِيقَةِ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ: إلى أُمَمِهِمْ لِيَبْلُغُوا عَنّا ما أمَرْناهم بِهِ: (p-١٢١)﴿مِنهم مَن قَصَصْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ الإحاطَةِ ﴿عَلَيْكَ﴾ أيْ: أخْبارُهم وأخْبارُ أُمَمِهِمْ ﴿ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ﴾ وإنْ كانَ لَنا العِلْمُ التّامُّ والقُدْرَةُ الكامِلَةُ ﴿عَلَيْكَ﴾ لا أخْبارُهم ولا أخْبارُ أُمَمِهِمْ ولا ذَكَّرْناهم لَكَ بِأسْمائِهِمْ ﴿وما﴾ أيْ: أرْسَلْناهم والحالُ أنَّهُ ما ﴿كانَ لِرَسُولٍ﴾ أصْلًا ﴿أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ أيْ: مُلْجِئَةٍ أوْ غَيْرِ مُلْجِئَةٍ مِمّا يَطْلُبُ الرَّسُولُ اسْتِعْجالًا لِاتِّباعِ قَوْمِهِ لَهُ، أوِ اقْتِراحًا مِن قَوْمِهِ عَلَيْهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُجادِلُ فِيهِ قَوْمَهُ أوْ يُسْلِمُونَ لَهُ أوْ يَنْقادُونَ، وصَرَفَ الكَلامَ عَنِ المَظْهَرِ المُشِيرِ إلى القَهْرِ إلى ما فِيهِ - مَعَ الإهانَةِ - الإكْرامُ فَقالَ: ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ وتَمْكِينِهِ، فَإنَّ لَهُ الإحاطَةَ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَلا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ أمْرِهِ، فَإنْ لَمْ يَأْذَنْ في ذَلِكَ رَضُوا وسَلَّمُوا وصَبَرُوا واحْتَبِسُوا، وإنْ أذِنَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ مِن عَذابٍ أوْ آيَةٍ مُلْجِئَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ جاءَهم ما أذِنَ فِيهِ ﴿فَإذا جاءَ﴾ وزادَ الأمْرُ عِظَمًا لِمَزِيدِ الخَوْفِ والرَّجاءِ بِالإظْهارِ دُونَ الإضْمارِ فَقالَ: ﴿أمْرُ اللَّهِ﴾ أيِ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا، وأمْرُهُ: ما تَوَعَّدَ بِهِ مِنَ العَذابِ عِنْدَ العِنادِ بَعْدَ الإجابَةِ إلى المُقْتَرَحِ، ومِنَ القِيامَةِ وما فِيها، وتَكْرِيرُ الِاسْمِ الأعْظَمِ لِتَعْظِيمِ المَقامِ بِاسْتِحْضارِ ما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ، ولِثَباتِ ما أرادَ ولُزُومِهِ عَبَّرَ عَنْهُ (p-١٢٢)بِالقَضاءِ، فَقالَ مُشْعِرًا بِصِيغَةِ المَفْعُولِ بِغايَةِ السُّهُولَةِ: ﴿قُضِيَ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ وأسْهَلِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي تَقَدَّمَ الوَعْدُ بِهِ وحَكَمَ بِثُبُوتِهِ مِن إهْلاكِ ناسٍ وإنْجاءِ آخَرِينَ أوْ إيمانِ قَوْمٍ وكُفْرِ آخَرِينَ - وهَذا كُلُّهُ هو الَّذِي أجْرى سُبْحانَهُ سُنَّتَهُ القَدِيمَةَ بِثُبُوتِهِ، وأمّا الفَضْلُ مِنَ الإمْهالِ والتَّطَوُّلِ بِالنِّعَمِ فَإنَّما هو قَبْلَ الإجابَةِ إلى المُقْتَرَحاتِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا مِن مُرادِ الآيَةِ ما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] وما أشْبَهَهُ ﴿وخَسِرَ﴾ أيْ: هَلَكَ أوْ تَحَقَّقَ وتَبَيَّنَ بِالمُشاهَدَةِ أنَّهُ خَسِرَ ﴿هُنالِكَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ العَظِيمِ بِعَظَمَةِ ما أنْزَلْنا فِيهِ، ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ لِلزَّمانِ إيذانًا بِغايَةِ الثَّباتِ والتَّمَكُّنِ في الخَسارَةِ تَمَكُّنَ الجالِسِ ﴿المُبْطِلُونَ﴾ أيِ: المَنسُوبُونَ إلى إيثارِ الباطِلِ عَلى الحَقِّ، إمّا بِاقْتِراحِ الآياتِ مَعَ إيتانِهِمْ بِما يُغْنِيهِمْ عَنْها وتَسْمِيَتِهِمْ لَهُ سِحْرًا أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، إمّا بِتَيَسُّرِهِمْ عَلى الرُّجُوعِ عَمّا هم فِيهِ مِنَ العِنادِ مِن غَيْرِ إذْعانٍ وإمّا الهَلاكِ، وإمّا بِإدْحاضِ الحُجَجِ والحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالغَلَبِ ثُمَّ النّارِ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ، ومِن هَذِهِ الآيَةِ أخَذَ سُبْحانَهُ في رَدِّ مَقْطَعِ السُّورَةِ عَلى مَطْلَعِها، فَهَذِهِ الآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر: ٥] [ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ ] إلى ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ [غافر: ٥] (p-١٢٣)و ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٨٢] إلى ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ [غافر: ٥] وهَذا وما بَعْدَهُ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الحِكْمَةِ والقُدْرَةِ إلى الثَّلاثِ الآياتِ الأُوَلِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب