الباحث القرآني
ولَمّا بَيَّنَ عَداوَةَ الكَفّارِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأتْباعَهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٤] ما بَعْدَهُ، وكانَ ذَلِكَ أمْرًا غائِظًا مُحْزِنًا مُوجِعًا، وخَتَمَ ذَلِكَ بِبَيانِ حُقُوقِ كَلِمَةِ العَذابِ عَلَيْهِمْ تَسْلِيَةً لِمَن عادُوهم فِيهِ سُبْحانَهُ، زادَ في تَسْلِيَتِهِمْ شَرْحًا لِصُدُورِهِمْ وتَثْبِيتًا لِقُلُوبِهِمْ بِبَيانِ وِلايَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ لَهم مَعَ كَوْنِهِمْ أخَصَّ الخَلْقِ بِحَضْرَتِهِ سُبْحانَهُ وأقْرَبَهم مِن مَحَلِّ أُنْسِهِ ومَوْطِنِ قُدْسِهِ وبَيانِ حُقُوقِ رَحْمَتِهِ لِلَّذِينِ آمَنُوا بِدُعاءِ أهْلِ حَضْرَتِهِ لَهم فَقالَ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا بَيَّنَ حُقُوقَ كَلِمَةِ العَذابِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ النَّجاةُ؟ قِيلَ: بِإيقاعِ الإيمانِ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرانِ لِيَكُونَ مَوْقِعُهُ أهْلًا لِلشَّفاعَةِ فِيهِ مِن أهْلِ الحَضْرَةِ العَلِيَّةِ، (p-١٢)فَيَغْفِرُ لَهُ إنْ تابَ ما قَدَّمَ مِنَ الكُفْرِ، فَقالَ مُظْهِرًا لِشَرَفِ الإيمانِ وفَضْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ وهُمُ المُقَرَّبُونَ وهم أرْبَعَةٌ كَما يَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الحاقَّةِ، فَإذا كانَتِ القِيامَةُ كانُوا ثَمانِيَةً، وهَلْ هم أشْخاصٌ أوْ صُفُوفٌ فِيهِ كَلامٌ يُذْكَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿ومَن حَوْلَهُ﴾ وهم جَمِيعُ المَلائِكَةِ وغَيْرُهم مِمَّنْ رُبَّما أرادَ اللَّهُ كَوْنَهُ مُحِيطًا بِهِ كَما تَقَدَّمَ في الَّتِي قَبْلَها ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] أيْ طائِفِينَ بِهِ، فَأفادَتْ هَذِهِ العِبارَةُ النَّصَّ عَلى الجَمِيعِ مَعَ تَصْوِيرِ العَظَمَةِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما وقَعَ في وهْمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُحْتاجٌ إلى حَمْلِهِمْ لِعَرْشِهِ أوْ إلى عَرْشِهِ أوْ إلى شَيْءٍ، نَبَّهَ بِالتَّسْبِيحِ عَلى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وأنَّ المُرادَ بِالعَرْشِ والحَمَلَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ إظْهارُ عِظَتِهِ لَنا في مِثْلِ مَحْسُوسَةٍ لُطْفًا مِنهُ بِنا تَنْزِلًا إلى ما تَسَعُهُ عُقُولُنا وتَحْمِلُهُ أفْهامُنا، فَقالَ مُخْبِرًا عَنِ المُبْتَدَأِ وما عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ أيْ يُنَزِّهُونَ أيْ يُوقِعُونَ تَنْزِيهَهُ سُبْحانَهُ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ مُلْتَبِسِينَ ﴿بِحَمْدِ﴾ وصَرَفَ القَوْلَ إلى ضَمِيرِهِمْ إعْلامًا بِأنَّ الكُلَّ عَبِيدُهُ مِنَ العُلْوِيِّينَ والسُّفْلِيِّينَ القَرِيبِ والبَعِيدِ، وكائِنُونَ تَحْتَ تَصَرُّفِهِ وقَهْرِهِ، وإحْسانِهِ وجَبْرِهِ، فَقالَ: ﴿رَبِّهِمْ﴾ أيْ بِإحاطَةِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِأوْصافِ الكَمالِ.
ولَمّا كانَ تَعالى باطِنًا لا يُحِيطُ أحَدٌ بِهِ عِلْمًا، أشارَ إلى أنَّهم مَعَ أنَّهم أهْلُ الحَضْرَةِ هم مِن وراءِ حِجابِ الكِبْرِ وأرْدِيَةِ العَظَمَةِ، لا فَرْقَ بَيْنَهم (p-١٣)فِي ذَلِكَ وبَيْنَ ما هو في الأرْضِ السُّفْلى بِقَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ لِأنَّ الإيمانَ إنَّما يَكُونُ بِالغَيْبِ. ولَمّا كانُوا لِقُرْبِهِمْ أشَدَّ الخَلْقِ خَوْفًا لِأنَّهُ عَلى قَدْرِ القُرْبِ مِن تِلْكَ الحَضْراتِ يَكُونُ الخَوْفُ، فَهم أشَدُّ خَوْفًا مِن أهْلِ السَّماءِ السّابِعَةِ، وأهْلُ السَّماءِ السّابِعَةِ أشَدُّ خَوْفًا مِن أهْلِ السَّماءِ السّادِسَةِ وهَكَذا، وكانُوا قَدْ عَلِمُوا مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى لِلنَّوْعِ الإنْسانِيِّ ما لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهم لِأمْرِهِ سُبْحانَهُ لَهم بِتَعْظِيمِهِ بِما اخْتَصَّ بِهِ سُبْحانَهُ مِنَ السُّجُودِ، وكانَ مِن أقْرَبِ ما يَقْتَرِبُ بِهِ إلى المَلِكِ التَّقَرُّبُ إلى أهْلِ وِدِّهِ، نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ مَحْوَ الذُّنُوبِ أعْيانًا وآثارًا.
ولَمّا كانَ الِاشْتِراكُ في الإيمانِ أشَدَّ مِنَ الِاتِّحادِ في النَّسَبِ، قالَ دالًّا عَلى أنَّ الِاتِّصافَ بِذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أدْعى شَيْءٍ إلى النَّصِيحَةِ وأبْعَثَهُ عَلى إمْحاضِ الشَّفَقَةِ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ لِما بَيْنَهم مِن أُخُوَّةِ الإيمانِ ومُجانَسَتِهِ وإنِ اخْتَلَفَ جِنْسُهم في حَقِيقَةِ التَّرْكِيبِ وإنْ وقَعَ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ خَلَلٌ يُحِقُّ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةَ لَوْلا العَفْوُ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] «لَنْ يَدْخُلَ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» . ولَمّا ذَكَرَ اسْتِغْفارَهم بَيَّنَ عِبارَتَهم عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا بِالإيمانِ وغَيْرِهِ. ولَمّا كانَ المُرادُ بَيانَ اتِّساعِ رَحْمَتِهِ (p-١٤)سُبْحانَهُ وعِلْمِهِ، وكانَ ذَلِكَ أمْرًا لا يَحْتَمِلُهُ العُقُولُ، عَدَلَ إلى أُسْلُوبِ التَّمْيِيزِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ مَعَ ما فِيهِ مِن هَزِّ السّامِعِ وتَشْوِيقِهِ بِالإبْهامِ إلى الإعْلامِ فَقالَ: ﴿وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ جِهَةَ التَّوَسُّعِ بِقَوْلِهِ تَمَيُّزًا مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ: ﴿رَحْمَةً﴾ أيْ رَحْمَتُكَ أيْ بِإيجادِهِ مِنَ العَدَمِ فَما فَوْقَ ذَلِكَ ﴿وعِلْمًا﴾ أيْ وأحاطَ بِهِمْ عِلْمُكَ، فَمَن أكْرَمْتَهُ فَعَنْ عِلْمٍ بِما جَلَبْتَهُ عَلَيْهِ مِمّا يَقْتَضِي إهانَةً أوْ إكْرامًا.
ولَمّا كانَ لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ مِن تَعْذِيبِ الطّائِعِ وتَنْعِيمِ العاصِي وغَيْرِ ذَلِكَ، قالُوا مُنَبِّهِينَ عَلى ذَلِكَ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ أيْ رَجَعُوا إلَيْكَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ بِرَحْمَتِكَ لَهم بِأنْ تَمْحُوا أعْيانَها وآثارَها، فَلا عِقابَ ولا عِتابَ ولا ذِكْرَ لَها ﴿واتَّبَعُوا﴾ أيْ كَلَّفُوا أنْفُسَهم عَلى ما لَها مِنَ العِوَجِ أنْ لَزِمُوا ﴿سَبِيلَكَ﴾ المُسْتَقِيمَ الَّذِي لا لَبْسَ فِيهِ. ولَمّا كانَ الغُفْرانُ قَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ الذُّنُوبِ، وكانَ سُبْحانَهُ لَهُ أنْ يُعَذِّبَ مَن لا ذَنْبَ لَهُ، وأنْ يُعَذِّبَ مَن غَفَرَ ذَنْبَهُ قالُوا: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ أيِ اجْعَلْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ وِقايَةً بِأنْ تُلْزِمَهُمُ الِاسْتِقامَةَ وتَتِمَّ نِعْمَتُكَ عَلَيْهِمْ، فَإنَّكَ وعَدْتَ مَن كانَ كَذَلِكَ بِذَلِكَ، ولا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْكَ، وإنْ كانَ يَجُوزُ أنْ تَفْعَلَ ما تَشاءُ.
{"ayah":"ٱلَّذِینَ یَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ یُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَیُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَیَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ۖ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَیۡءࣲ رَّحۡمَةࣰ وَعِلۡمࣰا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِینَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِیلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِیمِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











