الباحث القرآني
(p-٩٥)ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا القِياسِ الَّذِي لا خَفاءَ بِهِ لا دافِعَ لَهُ ولا مَطْعَنَ فِيهِ أنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِ الكَبِيرِ ابْتِداءً قادِرٌ عَلى تَسْوِيَةِ الصَّغِيرِ إعادَةً، وثَبَتَ بِهِ أيْضًا أنَّ خَلْقَ النّاسِ لَيْسَ مُسْتَنِدًا إلى طَبائِعِ السَّماواتِ والأرْضِ وإلّا لَتَساوَوْا في العِلْمِ والجَهْلِ، والقَدْرِ والهَيْئَةِ والشَّكْلِ، لِأنَّ اقْتِضاءَ الطَّبائِعِ لِذَلِكَ عَلى حَدٍّ سَواءٍ لا تَفاوُتَ فِيهِ، وهي لا اخْتِيارَ لَها، وكانَ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ هَذا الإيجادَ إنَّما هو لِلطَّبائِعِ، ومِن هَؤُلاءِ فِرْعَوْنُ الَّذِي مَضى في هَذِهِ السُّورَةِ كَثِيرٌ مَن كَشَفَ عَوارُهُ وإظْهارُ عارِهِ، دَلَّ عَلى إبْطالِهِ بِأنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ يَلْزَمُهُ التَّساوِي فِيما نَشَأ عَنْ ذِي الطَّبْعِ لِأنَّ لا اخْتِيارَ لَهُ ونَحْنُ نُشاهِدُ الأشْياءَ مُخْتَلِفَةً، فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى أنَّها غَيْرُ مُسْتَنِدَةٍ إلى طَبِيعَةٍ [بَلْ إلى فاعِلٍ مُخْتارٍ، فَكانَ التَّقْدِيرُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ سِياقُ الآيَةِ قَطْعًا مَعَ خَتْمِها بِنَفْيِ العِلْمِ] وعَطَفَ ما بَعْدَها عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ: وأقَلُّهم يَعْلَمُونَ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَهُمُ الَّذِي فاوَتَ بَيْنَهم قادِرُ مُخْتارُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَإنَّهُ ما يَسْتَوِي العالِمُ والجاهِلُ: ﴿وما يَسْتَوِي﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ مِن حَيْثُ البَصَرِ ﴿الأعْمى والبَصِيرُ﴾ وذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ بِأنَّ اسْتِنادَ المُتَخالِفِينَ لَيْسَ إلى الطَّبِيعَةِ، بَلْ إلى فاعِلٍ مُخْتارٍ.
ولَمّا ذَكَرَ الظَّلامَ والنُّورَ الحِسِّيَّيْنِ، أتْبَعَهُ المَعْنَوِيَّيْنِ نَشْرًا مُشَوَّشًا (p-٩٦)لِيَكْشِفَ قِسْما الظَّلامِ قِسْمَيِ النُّورِ إشارَةً إلى أنَّ المُهْتَدِيَ عَزِيزُ الوُجُودِ، كالذَّهَبِ الإبْرِيزِ بَيْنَ النُّقُودِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ سَواءٌ ثَبَتَتْ أوْ لا ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ كَذَلِكَ فَكانُوا مُحْسِنِينَ ﴿ولا المُسِيءُ﴾ أيِ: الثّابِتُ الإساءَةَ الَّذِي كَفَرَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ، ووَقَعَ التَّغايُرُ في العَطْفِ لِأنَّ المُرادَ - واللَّهُ أعْلَمُ [نَفْسُ] التَّساوِي بَيْنَ أفْرادِ الأعْمى وأفْرادِ البَصِيرِ والمُحْسِنِ والمُسِيءِ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في المُخاطَبِينَ الغَبِيُّ والذَّكِيُّ، عَطَفَ البَصِيرَ بِغَيْرِ ”لا“ لِيَكُونَ ظاهِرُ ذَلِكَ نَفْيَ المُساواةِ بَيْنَ نَوْعِيِ الأعْمى والبَصِيرِ، لِأنَّ نَفْيَ المُساواةِ بَيْنَ أفْرادِ الأنْواعِ دَقِيقٌ، واقْتَصَرَ عَلى الواوِ في عَطْفِ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ لِأنَّهُ لا يَنْتَظِمُ أنْ يُرادَ جَعْلُ الأعْمى والبَصِيرِ فَرِيقًا والمُؤْمِنُ المَوْصُوفُ فَرِيقًا، ويَنْتَفِي التَّساوِي بَيْنَهُما لِأنَّهُ لا لَبْسَ في أنَّ المُؤْمِنِينَ المَوْصُوفِينَ كالبَصِيرِ، ولَيْسَ فِيهِمْ مَن يَتَوَهَّمُ مُساواتَهُ لِلْأعْمى، فَكانَ مِنَ الجَلِيِّ مَعْرِفَةً أنَّ المُرادَ نَفْيُ مُساواةِ الأعْمى لِلْبَصِيرِ ونَفْيُ مُساواةِ المُؤْمِنِ المَوْصُوفِ لِلْمُسِيءِ، وزِيدَتْ (p-٩٧)”لا“ في المُسِيءِ [ وعَبَّرَ فِيهِ بِالإفْرادِ ] إشارَةً لِلْفَطِنِ إلى أنَّ المُرادَ نَفْيُ التَّساوِي بَيْنَ أفْرادِ كُلِّ نَوْعٍ لِأنَّ ذَلِكَ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، وأنَّها بِالِاخْتِيارِ، وهَذا بِخِلافِ الظُّلُماتِ في سُورَةِ فاطِرٍ لِأنَّهُ لَوْ تُرِكَتْ ”لا“ هُناكَ لَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ المَنفِيَّ المُساواةُ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ وبَيْنَ الظُّلُماتِ، فَيُوجَدُ حِينَئِذٍ الطَّعْنُ بِأنَّ الظُّلُماتِ مُساوِيَةٌ لَهُما بِاعْتِبارِ أنَّ الظُّلْمَةَ مِنها كَثِيفٌ جِدًّا لا يُمْكِنُ نُفُوذُ البَصَرِ فِيهِ، ومِنها خَفِيفٌ جِدًّا يَكُونُ تَسْمِيَتُهُ ظَلامًا بِالنِّسْبَةِ إلى النُّورِ السّاطِعِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ عَمِلَ الصّالِحاتِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّها ثانِيًا، والمُسِيءَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى المُحْسِنِينَ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ الصَّلاحَ تَرْغِيبًا والإساءَةَ تَرْهِيبًا.
ولَمّا تَقَرَّرَ هَذا عَلى هَذا النَّحْوِ مِنَ الوُضُوحِ الَّذِي لا مانِعَ لِلْإنْسانِ مِن فَهْمِهِ ورُسُوخِهِ في عِلْمِهِ إلّا عَدَمُ تَذَكُّرِهِ لِحِسِّهِ حَتّى في نَفْسِهِ قالَ تَعالى: ﴿قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيِ: المُجادِلُونَ أوْ أيُّها المُجادِلُونَ أوِ النّاسُ لِأنَّ المُتَذَكِّرَ غايَةَ التَّذَكُّرِ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ الإظْهارُ - مِنكم قَلِيلٌ - عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ بِالخِطابِ لِأنَّهُ أقْوى في التَّبْكِيتِ، وأدَلُّ عَلى الغَضَبِ.
{"ayah":"وَمَا یَسۡتَوِی ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِیرُ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلَا ٱلۡمُسِیۤءُۚ قَلِیلࣰا مَّا تَتَذَكَّرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











