الباحث القرآني

(p-٩٢)ولَمّا كانَ الأمْرُ بِشَغْلِ هَذَيْنَ الوَقْتَيْنِ أمْرًا بِشَغْلِ غَيْرِهِما مِن بابِ الأوْلى، لِأنَّ أوَّلَ النَّهارِ وقْتُ الِاشْتِغالِ بِالأعْمالِ والِاهْتِمامِ بِالِابْتِداءِ والتَّمامِ، وآخِرُهُ وقْتُ التَّهَيُّؤِ لِلرّاحَةِ والمَقِيلِ بِالأكْلِ والشُّرْبِ وما يَتْبَعُهُما، وكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلِاشْتِغالِ عَنْ أعْداءِ الدِّينِ رَأْسًا، وكانَ ذَلِكَ أمْرًا عَلى النُّفُوسِ شاقًّا عَلَّلَهُ بِما يَقْتَضِي المُداوَمَةَ عَلى الأعْمالِ والإعْراضِ عَنْهم لِأنَّ خِذْلانَهم أمْرٌ قَدْ فَرَغَ مِنهُ فَقالَ مُعَلِّلًا لِلْمُداوَمَةِ عَلى الطّاعَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أيْ: يُناصِبُونَ بِالعَداوَةِ لِنَقْلِ [أهْلِ] هَذا الدِّينِ عَنْهُ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، ولَفَتَ القَوْلَ إلى الجَلالَةِ الدّالَّةِ عَلى نِهايَةِ العَظَمَةِ تَهْوِينًا لِشَأْنِهِمْ فَقالَ: ﴿فِي آياتِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ الدّالَّةِ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ اللّازِمِ مِنهُ قُدْرَتُهُ عَلى البَعْثِ الَّذِي في تَذَكُّرِهِ صَلاحُ الدِّينِ والدُّنْيا ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: أمْرٌ مُسَلِّطٌ ودَلِيلٌ مَسْلَكٍ ﴿أتاهم إنْ﴾ أيْ: ما ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ بِصُدُودِهِمْ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، [وآذَنَ] ذِكْرَ الصُّدُورِ دُونَ القُلُوبِ [لِعِظَمِ الكِبَرِ] جِدًّا بِأنَّهُ قَدْ مَلَأ القُلُوبَ وفاضَ مِنها حَتّى شَغَلَ الصُّدُورَ الَّتِي هي مَساكِنُها ﴿إلا كِبْرٌ﴾ أيْ: عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ مَعَ إشْراقِ ضِيائِهِ واعْتِلاءٍ لَأْلائِهِ (p-٩٣)إرادَةَ إطْفائِهِ أوْ إخْفائِهِ، والكِبْرُ إرادَةُ التَّقَدُّمِ والتَّعَظُّمِ والرِّئاسَةِ، وأنْ يَكُونَ مُرِيدُ ذَلِكَ فَوْقَ كُلِّ أحَدٍ ﴿ما هم بِبالِغِيهِ﴾ أيْ: بِبالِغِي مُقْتَضاهُ مِن إبْطالِ الدِّينِ تَكَبُّرًا عَنْ أنْ يَكُونُوا تَحْتَ أوامِرِهِ، لا يَبْلُغُونَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا بُدَّ أنْ يَظْهَرَ الدِّينُ بِنَصْرِ الرَّسُولِ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ مِن أنْواعِ الكافِرِينَ، ثُمَّ يَبْعَثُونَ فَيَكُونُ أعْداؤُهم أسْفَلَ سافِلِينَ صَغَرَةً داخِرِينَ. ولَمّا ظَهَرَ مَن أوَّلِ هَذا الكَلامِ وآخِرِهِ تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا بِما أفادَهُ أُسْلُوبُ كَلامِ القادِرِينَ المَصُوغِ لِأعَمِّ مَن يُمْكِنُ أنْ يَخْطُرَ في البالِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ في مَطْلَعِ السُّورَةِ بِأنَّهُ غالِبٌ لِكُلِّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ و[أنَّ] الَّذِي بِهِمْ إنَّما هو إرادَةُ أنْ يَكُونُوا عالِينَ غالِبِينَ، تُسَبِّبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَعِذْ﴾ أيِ: اطْلُبِ العَوَذَ ﴿بِاللَّهِ﴾ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ مِن شَرِّ كِبْرِهِمْ كَما عاذَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُنْجِزَ لَكَ ما وعَدَكَ كَما أنْجَزَ [لَهُ]، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ: عَلى ما لَهُ مِنَ البُطُونِ ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿السَّمِيعُ﴾ لِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْعِياذِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ الَّذِينَ لَهُمُ المَكْرُ الظّاهِرُ والباطِنُ، خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿البَصِيرُ﴾ الصّالِحِ لِلْبَصَرِ والبَصِيرَةِ فَيَعُمُّ المَحْسُوسَ والمَعْلُومَ، [وخَتَمَ] آيَتَيِ الأعْرافِ وفُصِّلَتِ المَسْبُوقَتَيْنِ لِنَزْغِ الشَّيْطانِ الَّذِي هو وساوِسُ وخَطِراتٌ باطِنَةٌ بِالعَلِيمِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب