الباحث القرآني

ولَمّا كانَ بُلُوغُها أمْرًا عَجِيبًا، أوْرَدَهُ عَلى نَمَطٍ مُشَوِّقٍ عَلَيْهِ لِيُعْطِيَهُ السّامِعُ حَقَّهُ مِنَ الِاهْتِمامِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها، لِيَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى بَيانِها، بِقَوْلِهِ: ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ أيِ: الأُمُورُ المُوصِلَةُ إلَيْها، وكُلُّ ما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ إلَيْهِ. ولَمّا ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ، ذَكَرَ المُسَبِّبَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فاطَّلَعَ﴾ [الصافات: ٥٥] أيْ: فَلَعَلَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ ويَتَعَقَّبُهُ أنِّي أتَكَلَّفُ الطُّلُوعَ ﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ فَيَكُونُ كَما تَرى عَطْفًا عَلى ﴿أبْلُغُ﴾ [غافر: ٣٦] ونَصَبَهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ عَلى الجَوابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما أبْرَزَهُ الخَبِيثُ في عِدادِ المُمْكِنِ إنَّما هو تَمَنِّي مُحالٍ غَيْرِ مُمْكِنٍ في العادَةِ. ولَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ إرادَتِهِ بِذَلِكَ مَعَ إيقافِ قَوْمِهِ إلى وقْتٍ ما عَنِ المُتابَعَةِ أنْ يُخَيِّلَهم بِأنْ يَقُولَ: طَلَعْتُ فَبَحَثْتُ عَمّا قالَ مُوسى فَلَمْ أقِفْ لَهُ عَلى صِحَّةٍ، قَدَّمَ لَهم قَوْلَهُ مُبَيِّنًا لِحالِهِ إذْ ذاكَ لَمّا ظَنَّ مِن مَيْلِ قُلُوبِهِمْ إلى تَصْدِيقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإنِّي لأظُنُّهُ﴾ أيْ: مُوسى ﴿كاذِبًا﴾ فَتَرَكَ الكَلامَ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرِيدَ في الرِّسالَةِ أوْ في الإلَهِيَّةِ. ولَمّا كانَ (p-٧٠)هَذا أمْرًا عَجِيبًا، وهو كَوْنُ أحَدٍ يَظُنُّ أنَّهُ يُخَيَّلُ لِلْعُقُولِ أنَّهُ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ، وأنَّ الإلَهَ الَّذِي هو غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وقَدْ كانَ ولا شَيْءَ مَعَهُ يَكُونُ في السَّماءِ، أوْ في مَحَلٍّ مِنَ المَحالِّ، فَإنَّ كُلَّ حالٍ في شَيْءٍ يَحْتاجُ إلى مَحَلِّهِ، وكُلَّ مُحْتاجٍ عاجِزٌ ولا يَصْلُحُ العاجِزُ لِلْإلَهِيَّةِ لَوْ لَمْ يَجِئْ عَنِ اللَّهِ لِما كانَ أهْلًا لَأنْ يُصَدَّقَ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: عَمَلَهُ فِرْعَوْنُ لِأنّا زَيَّنّاهُ لَهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ زِيادَةً في التَّعْجِيبِ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ العَظِيمِ الشَّأْنِ اللّاعِبِ بِالألْبابِ. ولَمّا كانَ الضّارُّ هو التَّزْيِينُ لا المُزَيَّنُ الخاصُّ، بَناهُ لِلْمَفْعُولِ فَقالَ: ﴿زُيِّنَ﴾ أيْ: زَيَّنَ المُزَيِّنُ النّافِذُ الأمْرِ، وهو لِلَّهِ تَعالى حَقِيقَةً بِخَلْقِهِ وإلْزامِهِ لِأنَّ كُلَّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ مِنَ المُحْدَثاتِ فَهو خَلْقُهُ، والشَّيْطانُ مَجازًا بِالتَّسَبُّبِ بِالوَسْوَسَةِ الَّتِي هي خَلْقُ اللَّهِ تَعالى ﴿لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ في جَمِيعِ أمْرِهِ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِ راغِبًا فِيهِ مَعَ بَعْدِهِ عَنْ عَقْلٍ أقَلَّ ذَوِي العُقُولِ فَضْلًا عَنْ ذَوِي الهِمَمِ مِنهم فَضْلًا عَنِ المُلُوكِ، وأطاعَهُ فِيهِ وقَوْمَهُ ﴿وصُدَّ﴾ بِنَفْسِهِ ومَنَعَ غَيْرَهُ - عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ - ومَنَعَهُ اللَّهُ - عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ ويَعْقُوبَ بِالضَّمِّ ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيِ: الَّتِي لا سَبِيلَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُها، وهو المُوصِلَةُ (p-٧١)إلى اللَّهِ تَعالى. ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ بِحَيْثُ يَظُنُّ [مِنهُ] الظّانُّ أنَّ لِفِرْعَوْنَ نَوْعَ تَصَرُّفٍ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كَيْدُ﴾ وأعادَ الِاسْمَ ولَمْ يُضْمِرْهُ لِئَلّا يَخُصَّ بِحَيْثِيَّةٍ مِنَ الحَيْثِيّاتِ فَقالَ: ﴿فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: في إبْطالِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إلا في تَبابٍ﴾ أيْ: خَسارٍ وهَلاكٍ عَظِيمٍ مُحِيطٍ بِهِ لا يَقْدِرُ عَلى الخُرُوجِ مِنهُ، وما تُعْطاهُ إلّا لِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ ومَقْهُورٌ فِيهِ، كَما كَشَفَ عَنْهُ الحالُ، فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ أدْنى تَصَرُّفٍ يَسْتَقِلُّ بِهِ لَما أنْتَجَ فِعَلُهُ الخَسارَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب