الباحث القرآني

ولَمّا أشْرَقَ مِن آفاقِ هَذا الوَعْظِ شَمْسُ البَعْثِ ونُورُ الحَشْرِ؛ لِأنَّهُ لا يُسَوِّغُ أصْلًا أنَّ مَلِكًا يَدَعُ عَبِيدَهُ يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ مِن غَيْرِ إنْصافٍ بَيْنَهم ونَحْنُ نَرى أكْثَرَ الخَلْقِ يَمُوتُ مَقْهُورًا مِن ظالِمِهِ، ومَكْسُورًا مَن حاكِمِهِ، فَعَلِمَ قَطْعًا أنَّ المَوْتَ الَّذِي لَمْ يَقْدِرْ ولا يَقْدِرْ أحَدٌ أصْلًا أنْ يَسْلَمَ مِنهُ إنَّما هو سَوْقٌ إلى دارِ العَرْضِ وساحَةِ الجَزاءِ لِلْقَرْضِ - كَما جَرَتْ بِهِ عادَةُ المُلُوكِ إذا وُكِّلُوا بِمَن يَأْمُرُونَ بِإحْضارِهِ إلَيْهِمْ لِعَرْضِهِ عَلَيْهِمْ لِيَظْهَرَ التَّجَلِّي في صِفاتِ الجَبَرُوتِ والعَدْلِ، ومَظاهِرِ الكَرَمِ [ والفَضْلِ ] قالَ: ﴿ويا قَوْمِ﴾ ولَمّا كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أكَّدَ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ﴾ وعَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ زِيادَةً في التَّخْوِيفِ فَقالَ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ ولَمّا كانَ قَدْ سَمّاهُ فِيما مَضى بِالتَّلاقِي والآزِفَةِ لِما ذَكَرَ، عَرَفَ هُنا أنَّ الخَلْقَ فِيهِ وجِلُونَ خائِفُونَ وأنَّهم لِكَثْرَةِ الجَمْعِ يُنادُونَ ويُنادَوْنَ لِلرِّفْعَةِ أوِ الضِّعَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُتَنَوِّعَةِ الَّتِي مَجْمُوعُها يَدُلُّ عَلى ظُهُورِ الجَبَرُوتِ وذُلِّ الخَلْقِ لِما يَظْهَرُ لَهم مِنَ الكِبْرِياءِ والعَظَمُوتِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ أيْ: أهْوالُهُ وما يَقَعُ فِيهِ، فَيُنادِي الجَبّارُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم (p-٦٢)يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] ويُنادُونَهُ ”بَلى يا رَبَّنا“ وتُنادِي المَلائِكَةُ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ [مِن بُعْدٍ كَما يَسْمَعُهُ] مَن قُرْبٍ: ”يا فُلانُ ابْنُ فُلانٍ أقْبِلْ لِفَصْلِ النِّزاعِ“، ويُنادِي ذَلِكَ العَبْدَ: ”ألا سَمْعًا وطاعَةً“، ويُنادى الفائِزُ ”ألا نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ“، ويُنادى الخائِبُ ”ألا بِئْسَ مُنْقَلَبُ الظّالِمِينَ“، ويُنادى بِالشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ: ألا إنَّ فُلانًا قَدْ سَعِدَ، ألا إنَّ فُلانًا قَدْ شَقِيَ، ويُنادِي أصْحابُ الأعْرافِ وأهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ، وأهْلُ النّارِ أهْلَ الجَنَّةِ، ويُنادى الكُلُّ حِينَ يُذْبَحُ المَوْتُ، ويُدْعى كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ، وتَتَنادى المَلائِكَةُ وقَدْ أحاطُوا بِالثِّقْلَيْنِ صُفُوفًا مُتَرَتِّبَةً تَرَتُّبَ السَّماواتِ الَّتِي كانُوا بِها بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ، وتَرْتَفِعُ الأصْواتُ بِالضَّجِيجِ، بَعْضُهم بِالسُّرُورِ وبَعْضُهم بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، وتُنادِي ألْسُنُ النِّيرانِ: أيْنَ الجَبّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ، وتُنادِي الجَنَّةُ، أيْنَ المُشَمِّرُونَ في مَرْضاةِ اللَّهِ والصّابِرُونَ، فَيا لَهُ يَوْمًا يُذَلُّ فِيهِ العُصاةُ العُتاةُ، ويَعَزُّ المُنْكَسِرَةُ قُلُوبُهم مِن أجْلِ اللَّهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في آخَرِينَ بِتَشْدِيدِ الدّالِّ مِنَ التَّنادِ عَلى [أنَّهُ] مَصْدَرُ تَنادٍ مِن نَدَّ البَعِيرُ - إذا هَرَبَ ونَفَرُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] وتَقَدَّمَ في حَذْفِ ياءٍ التَّلاقِ وإثْباتِها ما يُمْكِنُ الفَطِنُ تَنْزِيلَهُ هُنا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب