الباحث القرآني

ولَمّا كانَتِ الهِجْرَةُ شَدِيدَةً؛ وكانَ رُبَّما تَرَكَها بَعْضُ الأقْوِياءِ واعْتَلَّ بِالضَّعْفِ؛ ورُبَّما ظَنَّ القادِرُ مَعَ المَشَقَّةِ أنَّهُ لَيْسَ بِقادِرٍ؛ نَفَّرَ مِن ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ ولَمّا كانَ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ (p-٣٧٥)ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ؛ بَلْ لَهُ أنْ يُعَذِّبَ الطّائِعَ؛ ويُنَعِّمَ العاصِي؛ ويَفْعَلَ ويَقُولَ ما يَشاءُ؛ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]؛ أحَلَّ هَؤُلاءِ المَعْذُورِينَ مَحَلَّ الرَّجاءِ؛ إيذانًا بِأنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ في غايَةِ الخَطَرِ؛ فَقالَ: ﴿عَسى اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَرْجُوُّ؛ والخَلِيقُ؛ والجَدِيرُ مِنَ المُلْكِ؛ المُحِيطُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: ولَوْ آخَذَهم لَكانَ لَهُ ذَلِكَ؛ وكُلُّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن نَحْوِ هَذا فَهو لِلْإشارَةِ إلى هَذا المَعْنى؛ وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما -: ”إنَّ“عَسى”؛ مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ“؛ مَعْناهُ أنَّهُ مَعَ أنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ لا يَفْعَلُ إلّا ما يَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ عَلى ما يَسْتَصْوِبُهُ مِنهاجُ العَقْلِ السَّلِيمِ؛ ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ؛ أزَلًا؛ وأبَدًا؛ ﴿عَفُوًّا﴾؛ أيْ: يَمْحُو الذَّنْبَ؛ إذا أرادَ؛ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْهِ؛ وقَدْ يُعاتِبُ عَلَيْهِ؛ ﴿غَفُورًا﴾؛ أيْ: يُزِيلُ أثَرَهُ أصْلًا؛ ورَأْسًا؛ بِحَيْثُ لا يُعاقِبُ عَلَيْهِ؛ ولا يُعاتِبُ؛ ولا يَكُونُ بِحَيْثُ يُذْكَرُ أصْلًا؛ ولَعَلَّ العَفْوَ راجِعٌ إلى الرِّجالِ؛ والغُفْرانَ إلى النِّساءِ والوِلْدانِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب