الباحث القرآني
ولَمّا ناسَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما قَبْلَها مِن آيَةِ القَتْلِ العَمْدِ؛ والتَفَتَتْ إلى: ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]؛ وإلى آيَةِ التَّحِيَّةِ؛ فاشْتَدَّ اعْتِناقُها لَهُما؛ وعُلِمَ بِها أنَّ في الضَّرْبِ في سَبِيلِ اللَّهِ هَذا الخَطَرَ؛ فَكانَ رُبَّما فُتِّرَ عَنْهُ؛ بَيَّنَ فَضْلَهُ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ”فَحِينَئِذٍ نَقْعُدُ عَنِ الجِهادِ لِنَسْلَمَ“؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾؛ أيْ: عَنِ الجِهادِ؛ حالَ كَوْنِهِمْ؛ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الغَرِيقِينَ في الإيمانِ؛ لِيُفِيدَ التَّصْرِيحَ بِتَفْضِيلِ المُؤْمِنِ المُجاهِدِ عَلى المُؤْمِنِ القاعِدِ؛ لِئَلّا يَخُصَّهُ أحَدٌ بِالكافِرِ الجاحِدِ.
ولَمّا كانَ مِنَ النّاسِ مَن عَذَرَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِرَحْمَتِهِ؛ اسْتَثْناهُمْ؛ (p-٣٦٩)فَقالَ - واصِفًا لِلْقاعِدِينَ؛ أوْ مُسْتَثْنِيًا مِنهم -: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ أيْ: المانِعِ؛ أوِ العائِقِ عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ مِن عِوَجٍ؛ أوْ مَرَضٍ؛ أوْ عَمًى؛ ونَحْوِهِ؛ وبِهَذا بانَ أنَّ الكَلامَ في المُهاجِرِينَ؛ وفي البُخارِيِّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمْلى عَلَيْهِ: ”لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ“؛ فَجاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ وهو يُمِلُّها عَلَيَّ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ واللَّهِ لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجاهَدْتُ - وكانَ أعْمى -؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى رَسُولِهِ؛ وفَخِذُهُ عَلى فَخِذِي؛ فَثَقُلَتْ عَلَيَّ؛ حَتّى خِفْتُ أنْ تُرَضَّ فَخِذِي؛ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾» وأخْرَجَهُ في فَضائِلِ القُرْآنِ؛ عَنِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾؛ الآيَةُ؛ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”ادْعُ لِي زَيْدًا؛ ولْيَجِئْ بِاللَّوْحِ؛ والدَّواةِ؛ والكَتِفِ“؛ ثُمَّ قالَ: ”اكْتُبْ“؛» فَذَكَرَهُ؛ وحَدِيثُ زَيْدٍ أخْرَجَهُ أيْضًا أبُو داوُدَ؛ والتِّرْمِذِيُّ والنِّسائِيُّ؛ وفي رِوايَةِ أبِي داوُدَ: قالَ: «كُنْتُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ؛ فَوَقَعَتْ فَخِذُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى فَخِذِي؛ فَما وجَدْتُ شَيْئًا أثْقَلَ مِن فَخِذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ؛ فَقالَ لِي: ”اكْتُبْ“؛ (p-٣٧٠)فَكَتَبْتُ في كَتِفٍ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾؛ إلى آخِرِها؛ فَقامَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - وكانَ رَجُلًا أعْمى - لَمّا سَمِعَ فَضِيلَةَ المُجاهِدِينَ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَكَيْفَ بِمَن لا يَسْتَطِيعُ الجِهادَ مِنَ المُؤْمِنِينَ؟ فَلَمّا قَضى كَلامَهُ غَشِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ السَّكِينَةُ؛ فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلى فَخِذِي؛ ووَجَدْتُ مِن ثِقْلِها في المَرَّةِ الثّانِيَةِ كَما وجَدْتُ في المَرَّةِ الأُولى؛ فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”اقْرَأْ يا زَيْدُ“؛ فَقَرَأْتُ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ فَقالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ الآيَةَ كُلَّها؛ قالَ زَيْدٌ: أنْزَلَها اللَّهُ وحْدَها؛ فَألْحَقْتُها؛ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِكَأنِي أنْظُرُ إلى مُلْحَقِها عِنْدَ صَدْعٍ في كَتِفٍ؛» ورَواهُ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ؛ وأبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ؛ وفِيهِ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ دامَ بَصَرَهُ؛ مَفْتُوحَةً عَيْناهُ؛ وفَرَّغَ سَمْعَهُ وقَلْبَهُ؛ لِما يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ».
ولَمّا ذَكَرَ القاعِدَ أتْبَعَهُ قَسِيمَهُ؛ المُجاهِدَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: دِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي مَن سَلَكَهُ وصَلَ إلى رَحْمَتِهِ؛ ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ ولَمّا كانَ نَفْيُ المُساواةِ سَبَبًا لِتَرَقُّبِ كُلٍّ مِنَ الحِزْبَيْنِ الأفْضَلِيَّةَ؛ لِأنَّ القاعِدَ؛ وإنْ فاتَهُ الجِهادُ؛ فَقَدْ تَخَلَّفَ الغازِيَ في أهْلِهِ؛ إذْ يُحْيِي الدِّينَ بِالِاشْتِغالِ بِالعِلْمِ؛ ونَحْوِهِ؛ قالَ (p-٣٧١)- مُسْتَأْنِفًا -: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿المُجاهِدِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ المالُ في أوَّلِ الأمْرِ ضَيِّقًا؛ قالَ - مُقَدِّمًا لِلْمالِ -: ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾؛ أيْ: جِهادًا كائِنًا بِالفِعْلِ؛ ﴿عَلى القاعِدِينَ﴾؛ أيْ: عَنْ ذَلِكَ؛ وهم مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ؛ بِكَوْنِهِمْ في دارِ الهِجْرَةِ؛ ﴿دَرَجَةً﴾؛ أيْ: واحِدَةً؛ كامِلَةً؛ لِأنَّهم لَمْ يَفُوقُوهم بِغَيْرِها؛ وفي البُخارِيِّ؛ في المَغازِي؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما -:
”لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَنْ“بَدْرٍ”؛ والخارِجُونَ إلى“بَدْرٍ".
ولَمّا شَرَكَ بَيْنَ المُجاهِدِينَ؛ والقاعِدِينَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلا﴾؛ أيْ: مِنَ الصِّنْفَيْنِ؛ ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِالجَلالِ والإكْرامِ؛ أجْرًا عَلى إيمانِهِمْ؛ ﴿الحُسْنى﴾؛ بَيَّنَ أنَّ القاعِدَ المُشارِكَ إنَّما هو الَّذِي بِهِ قُوَّةُ الجِهادِ القَرِيبَةِ مِنَ الفِعْلِ؛ وهو التَّمَكُّنُ مِن تَنْفِيذِ الأمْرِ؛ بِسَبَبِ هِجْرَتِهِ لِأرْضِ الحَرْبِ؛ وكَوْنِهِ بَيْنَ أهْلِ الإيمانِ؛ وأمّا القاعِدُ عَنِ الهِجْرَةِ مَعَ التَّمَكُّنِ فَلَيْسَ بِمُشارِكٍ في ذَلِكَ؛ بَلْ هو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ مُتَمَكِّنًا مِن تَنْفِيذِ الأوامِرِ؛ فَلا هو مُجاهِدٌ بِالفِعْلِ؛ ولا بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ فَلا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ ﴿المُجاهِدِينَ﴾؛ أيْ: بِالفِعْلِ مُطْلَقًا؛ بِالنَّفْسِ؛ أوِ المالِ؛ ﴿عَلى القاعِدِينَ﴾؛ أيْ: عَنِ الأسْبابِ المُمَكِّنَةِ مِنَ الجِهادِ؛ ومِنَ الهِجْرَةِ؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾؛
{"ayah":"لَّا یَسۡتَوِی ٱلۡقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ غَیۡرُ أُو۟لِی ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَـٰهِدُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَ ٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَـٰهِدِینَ بِأَمۡوَ ٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَـٰعِدِینَ دَرَجَةࣰۚ وَكُلࣰّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَـٰهِدِینَ عَلَى ٱلۡقَـٰعِدِینَ أَجۡرًا عَظِیمࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











