الباحث القرآني

ولَمّا وصَفَ الوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْهِ في يَوْمِ العَرْضِ؛ والأهْوالِ؛ الَّذِي أدَّتْ فِيهِ سَطْوَةُ الكِبْرِياءِ والجَلالِ؛ إلى تَمَنِّي العَدَمِ؛ ومَنَعَتْ قُوَّةُ يَدِ القَهْرِ والجَبْرِ أنْ يَكْتُمَ حَدِيثًا؛ وتَضَمَّنَ وصْفُهُ أنَّهُ لا يَنْجُو فِيهِ إلّا مَن كانَ طاهِرَ القَلْبِ؛ والجَوارِحِ؛ بِالإيمانِ بِهِ؛ والطّاعَةِ لِرَسُولِهِ ﷺ؛ وصْفَ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ في الدُّنْيا في مَقامِ الأُنْسِ وحَضْرَةِ القُدْسِ المُنَجِّي مِن هَوْلِ الوُقُوفِ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ والَّذِي خَطَرَتْ مَعانِي اللُّطْفِ والجِمالِ فِيهِ الِالتِفاتَ إلى غَيْرِهِ؛ وأمَرَ بِالطَّهارَةِ في حالِ التَّزَيُّنِ بِهِ عَنِ الخَبائِثِ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالتَّصْدِيقِ بِالرُّسُلِ؛ وما أتَوْا بِهِ عَنِ اللَّهِ؛ وأوَّلُهُ؛ وأوْلاهُ: (p-٢٨٥)ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ؛ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: بِألّا تَكُونُوا في مَوْضِعِها؛ فَضْلًا عَنْ أنْ تَفْعَلُوها؛ ﴿وأنْتُمْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّكم ﴿سُكارى﴾؛ أيْ: غائِبُو العَقْلِ؛ مِنَ الخَمْرِ؛ أوْ نَحْوِها؛ فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَسْبِقَ اللِّسانُ - بِتَمَكُّنِ الشَّيْطانِ بِزَوالِ العَقْلِ - إلى شَيْءٍ مِنَ الإشْراكِ؛ فَيَكُونَ شِرْكًا لِسانِيًّا؛ وإنْ كانَ القَلْبُ مُطِمَئِنًّا بِالإيمانِ؛ فَيُوشِكَ أنْ يُعْرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِ يَوْمَ الوُقُوفِ الأكْبَرِ؛ فَإنَّ مَن أنْتُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ لا يُكْتَمُ حَدِيثًا؛ فَيَوَدَّ مَن نَطَقَ لِسانُهُ بِذَلِكَ - لِما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الألَمِ - لَوْ كانَ مِن أهْلِ العَدَمِ؛ وأصْلُ ”السُّكْرُ“؛ في اللُّغَةِ: سَدُّ الطَّرِيقِ؛ وسَبَبُ نُزُولِها ما رَواهُ مُسَدَّدٌ؛ بِإسْنادٍ - قالَ شَيْخُنا البُوصِيرِيُّ: رِجالُهُ ثِقاتٌ - عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ دَعاهُ؛ وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - فَسَقاهُما؛ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ؛ فَأمَّهم عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - في المَغْرِبِ؛ وقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]؛ فَنَزَلَتْ؛ هَكَذا رَواهُ؛ وقَدْ رَواهُ أصْحابُ السُّنَنِ - الثَّلاثَةِ - وأحْمَدُ؛ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ؛ والبَزّارُ؛ والحاكِمُ؛ والطَّبَرِيُّ؛ فَبَيَّنُوا المُرادَ؛ وهو أنَّ الَّذِي صَلّى بِهِمْ قَرَأ: ”أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ“؛ وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيَّ ”ونَحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ“. (p-٢٨٦)ولَمّا أفْهَمَ النَّهْيُ عَنْ قُرْبانِها في هَذا الحالِ زَوالَهُ بِانْقِضائِهِ؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى﴾؛ أيْ: ولا يَزالُ هَذا النَّهْيُ قائِمًا حَتّى ﴿تَعْلَمُوا﴾؛ بِزَوالِ السُّكَّرِ؛ ﴿ما تَقُولُونَ﴾؛ فَلا يَقَعَ مِنكم حِينَئِذٍ تَبْدِيلٌ؛ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ نَفْسُها؛ ومَوْضِعُها؛ وهو المَسْجِدُ؛ وذَلِكَ مِن أدِلَّتِهِ عَلى اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في حَقِيقَتِهِ؛ ومَجازِهِ؛ نَهى السَّكْرانَ أنْ يُصَلِّيَ إلى أنْ يَفْهَمَ؛ أيْ: يَصْحُوَ؛ ونَهى كُلَّ واحِدٍ أنْ يَكُونَ في المَسْجِدِ وهو جُنُبٌ؛ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ”وأنْتُمْ سُكارى“ -: ﴿ولا﴾؛ أيْ: ولا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ بِالكَوْنِ في مَحالِّها؛ فَضْلًا عَنْها؛ ﴿جُنُبًا﴾؛ أيْ: مُمْنِينَ؛ بِالفِعْلِ؛ أوِ القُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ؛ بِالتِقاءِ الخِتانَيْنِ؛ لِأنَّ الجَنابَةَ المَنِيُّ؛ سَواءٌ كانَ عَنْ جِماعٍ؛ أوْ لا؛ في حالٍ مِن أحْوالِ الجَنابَةِ؛ ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ أيْ: مارِّينَ مُرُورًا مِن غَيْرِ مُكْثٍ؛ ولا صَلاةٍ؛ ولَمّا غَيّا مَنعَ الجَنابَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾؛ أيْ: تَغْسِلُوا البَدَنَ عَمْدًا؛ ولَمّا كانَ لِلْإنْسانِ حالاتٌ يَتَعَسَّرُ؛ أوْ يَتَعَذَّرُ فِيها عَلَيْهِ اسْتِعْمالُ الماءِ؛ ذَكَرَها؛ فَقالَ - مُرَتِّبًا لَها عَلى الأحْوَجِ إلى الرُّخْصَةِ؛ فالأحْوَجِ -: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾؛ أيْ: بِجِراحَةٍ؛ أوْ غَيْرِها؛ مَرَضًا يَمْنَعُ مِن طَلَبِ الماءِ؛ أوِ اسْتِعْمالِهِ؛ ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾؛ كَذَلِكَ؛ سَواءٌ كانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أوْ قَصِيرًا ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: (p-٢٨٧)أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ولَوْ كانَ حاضِرًا؛ صَحِيحًا؛ ﴿مِنَ الغائِطِ﴾؛ أيْ: المَكانِ المُطْمَئِنِّ مِنَ الأرْضِ؛ الواسِعِ الَّذِي يُقْصَدُ لِلتَّخَلِّي؛ أيْ: أوْ جاءَ مِنَ التَّخَلِّي؛ فَقَضى حاجَتَهُ الَّتِي لا بُدَّ لَهُ مِنها؛ فَهو بِها أحْوَجُ إلى التَّخْفِيفِ مِمّا بَعْدَهُ. ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُ الجَنابَةِ الَّتِي هي المَنِيُّ؛ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ بِجِماعٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ذَكَرَ هُنا ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِن وجْهٍ؛ فَقالَ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾؛ أيْ: بِمُجَرَّدِ التِقاءِ البَشَرَتَيْنِ؛ أوْ بِالجِماعِ؛ سَواءٌ حَصَلَ إنْزالٌ؛ أوْ لا؛ وأخَّرَ هَذا لِأنَّهُ مِمّا مِنهُ بُدٌّ؛ ولا يَتَكَرَّرُ تَكَرُّرَ قَضاءِ الحاجَةِ؛ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾؛ أيْ: إمّا بِفَقْدِهِ؛ أوْ بِالعَجْزِ عَنِ اسْتِعْمالِهِ؛ ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾؛ أيْ: اقْصِدُوا قَصْدًا صادِقًا؛ بِأنْ تُلابِسُوا ناوِينَ؛ ﴿صَعِيدًا﴾؛ أيْ: تُرابًا؛ ﴿طَيِّبًا﴾؛ أيْ: طَهُورًا؛ خالِصًا فَهو بِحَيْثُ يُنْبِتُ؛ ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] ﴿فامْسَحُوا﴾؛ وهَذِهِ عِبادَةٌ خاصَّةٌ بِنا. ولَمّا كانَ التُّرابُ لا يَتَمَكَّنُ مِن جَمِيعِ العُضْوِ؛ وإنِ اجْتَهَدَ الإنْسانُ في ذَلِكَ؛ أدْخَلَ الباءَ؛ قاصِرًا لِلْفِعْلِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾؛ أيْ: أوْقِعُوا المَسْحَ بِها؛ سَواءٌ عَمَّ التُّرابُ مَنبِتَ الشَّعْرِ؛ أمْ لا؛ ﴿وأيْدِيكُمْ﴾؛ أيْ: مِنهُ؛ (p-٢٨٨)كَما صَرَّحَ بِهِ في ”المائِدَةِ“؛ لا فِيهِ؛ ولا عَلَيْهِ؛ مَثَلًا؛ لِيُفْهَمَ التَّمَعُّكُ؛ أوْ أنَّ الحَجَرَ مَثَلًا يَكْفِي؛ والمُلامَسَةُ جَوَّزَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أيْضًا أنْ يُرادَ بِها المَسُّ -؛ أيْ: مُلاقاةُ البَشَرَتَيْنِ - الَّذِي هو حَقِيقَةُ اللَّمْسِ -؛ والجِماعُ - الَّذِي هو مُسَبَّبٌ عَنِ المَسِّ؛ أوْ هو مُماسَّةٌ خاصَّةٌ؛ فَهو مِن تَسْمِيَةِ الكُلِّ بِاسْمِ البَعْضِ حِينَئِذٍ. ولَمّا نَهى عَمّا يُدْنِي مِن وُقُوعِ صُورَةِ الذَّنْبِ؛ الَّذِي هو جَرْيُ اللِّسانِ بِما لا يَلِيقُ بِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وخَفَّفَ ما كانَ شَدِيدًا بِالتَّيَمُّمِ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي اخْتُصَّ بِالكَمالِ؛ ﴿كانَ عَفُوًّا﴾؛ أيْ: بِتَرْكِ العِقابِ عَلى الذَّنْبِ؛ وكَأنَّ هَذا راجِعٌ إلى ما وقَعَ حالَةَ السُّكْرِ؛ ﴿غَفُورًا﴾؛ أيْ: بِتَرْكِ العِقابِ؛ وبِمَحْوِ الذَّنْبِ؛ حَتّى لا يُذْكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أصْلًا؛ وكَأنَّ هَذا راجِعٌ إلى التَّيَمُّمِ؛ فَإنَّ الصَّلاةَ مَعَهُ حَسَنَةٌ؛ ولَوْلاهُ كانَتْ سَيِّئَةً مَذْكُورَةً ومُعاقَبًا عَلَيْها؛ إمّا عَلى تَرْكِها لِمَشَقَّةِ اسْتِعْمالِ الماءِ عِنْدَ التَّساهُلِ؛ أوْ عَلى فِعْلِها بِغَيْرِ طَهارَةٍ في بَعْضِ وُجُوهِ التَّنَطُّعِ؛ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في ”المائِدَةِ“: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]؛ ومَن كانَتْ عادَتُهُ العَفْوَ والمَغْفِرَةَ؛ كانَ مُيَسِّرًا؛ غَيْرَ مُعَسِّرٍ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب