الباحث القرآني
(p-٥٣٣)ولَمّا حَذَّرَ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ السُّورَةِ؛ ولا سِيَّما في هَذِهِ الآياتِ؛ فَطالَ التَّحْذِيرُ؛ وأوْدَعَها مِنَ التَّهْدِيدِ؛ وصادِعِ الإنْذارِ والوَعِيدِ العَظِيمَ الكَثِيرَ؛ وخَتَمَ بِالحَثِّ عَلى الإيمانِ؛ والنَّظَرِ السَّدِيدِ في العِرْفانِ؛ وكانَتْ كَثْرَةُ الوَعِيدِ رُبَّما أيْأسَتْ؛ ونَفَّرَتْ؛ وأوْحَشَتْ؛ وصَدَّتْ عَنِ العَطْفِ وأبْعَدَتْ؛ قالَ (تَعالى) - مُسْتَعْطِفًا؛ مُتَرَفِّقًا بِالشّارِدِينَ عَنْ بابِهِ؛ مُتَلَطِّفًا؛ جامِعًا بَيْنَ العاطِفِينَ كَلامَ ذَوِي النِّعْمَةِ؛ عَلى لِسانِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ؛ صارِفًا القَوْلَ إلى خِطابِهِ؛ بَعْدَ أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ -: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: يا أكْرَمَ الخَلْقِ؛ وأرْحَمَهم بِالعِبادِ؛ ولَفَتَ عَمّا تَقْتَضِيهِ ”قُلْ“؛ مِنَ الغَيْبَةِ إلى مَعْنى الخِطابِ؛ زِيادَةً في الِاسْتِعْطافِ؛ وزادَ في التَّرَفُّقِ بِذِكْرِ العُبُودِيَّةِ؛ والإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ؛ عَرِيًّا عَنِ التَّعْظِيمِ؛ فَقالَ: ﴿يا﴾؛ أيْ: رَبُّكُمُ المُحْسِنُ إلَيْكم يَقُولُ: يا ﴿عِبادِيَ﴾؛ فَلَذَّذَهم بَعْدَ تِلْكَ المَراراتِ؛ بِحَلاوَةِ الإضافَةِ إلى جَنابِهِ؛ تَقْرِيبًا مِن بابِهِ؛ ولَمّا أضافَ؛ طَمِعَ المُطِيعُونَ أنْ يَكُونُوا هُمُ المَقْصُودِينَ؛ فَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ؛ ونَكَّسَ العاصُونَ؛ وقالُوا: مَن نَحْنُ حَتّى يُصَوِّبَ نَحْوَنا هَذا المَقالَ؟ فَقالَ (تَعالى) - جابِرًا لَهم -: ﴿الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾؛ أيْ: تَجاوَزُوا الحَدَّ في وضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها؛ حَتّى صارَتْ لَهم أحْمالٌ ثِقالٌ؛ ﴿عَلى أنْفُسِهِمْ﴾؛ فَأبْعَدُوها عَنِ الحَضْراتِ الرَّبّانِيَّةِ؛ وأرْكَسُوها في الدَّنايا الشَّيْطانِيَّةِ؛ فانْقَلَبَ الحالُ؛ فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ نَكَّسُوا رُؤُوسَهُمُ انْتَعَشُوا؛ وزالَتْ ذِلَّتُهُمْ؛ والَّذِينَ رَفَعُوا (p-٥٣٤)رُؤُوسَهم أطْرَقُوا؛ وزالَتْ صَوْلَتُهُمْ؛ قالَهُ القُشَيْرِيُّ؛ وأفْهَمَ تَقْيِيدُ الإسْرافِ أنَّ الإسْرافَ عَلى الغَيْرِ لا يُغْفَرُ؛ إلّا بِالخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ الغَيْرِ؛ ﴿لا تَقْنَطُوا﴾؛ أيْ: يَنْقَطِعْ رَجاؤُكُمْ؛ وتَيْأسُوا؛ وتَمْتَنِعُوا؛ وعَظَّمَ التَّرْجِيَةَ بِصَرْفِ القَوْلِ عَنِ التَّكَلُّمِ؛ وإضافَةِ الرَّحْمَةِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ؛ فَقالَ: ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: إكْرامِ المُحِيطِ بِكُلِّ صِفاتِ الكَمالِ؛ فَيَمْنَعَكم ذَلِكَ القُنُوطُ مِنَ التَّوْبَةِ؛ الَّتِي هي بابُ الرَّحْمَةِ؛ ولِعِظَمِ المَقامِ أضافَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛ لِظَنِّهِمْ أنَّ كَثْرَةَ الوَعِيدِ مَنَعَتِ الغُفْرانَ؛ وحَتَّمَتِ الجَزاءَ بِالِانْتِقامِ؛ وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ تَعْظِيمًا لِلْحالِ؛ وتَأْكِيدًا بِما فِيهِ مِن مَعْنى الإحاطَةِ والجَمْعِ لِإرادَةِ العُمُومِ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِجَمِيعِ نُعُوتِ الجَمالِ؛ والجَلالِ والإكْرامِ؛ فَكَما أنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالِانْتِقامِ؛ هو مُتَّصِفٌ بِالعَفْوِ؛ والغُفْرانِ؛ ﴿يَغْفِرُ﴾؛ إنْ شاءَ؛ ﴿الذُّنُوبَ﴾؛ ولَمّا أفْهَمَتِ اللّامُ الِاسْتِغْراقَ أكَّدَهُ؛ فَقالَ: ﴿جَمِيعًا﴾؛ ولا يُبالِي؛ لَكِنَّهُ سَبَقَ مِنهُ القَوْلُ أنَّهُ إنَّما يَغْفِرُ الشِّرْكَ بِالتَّوْبَةِ عَنْهُ؛ وأمّا غَيْرُهُ فَيَغْفِرُهُ إنْ شاءَ بِتَوْبَةٍ؛ وإنْ شاءَ بِلا تَوْبَةٍ؛ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَمْنَعَهُ مِن شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ لا يُعْهَدُ في النّاسِ مِثْلُ هَذا؛ بَلْ لَوْ أرادَ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا العَفْوَ عَنْ أهْلِ الجَرائِمِ؛ قامَ عَلَيْهِ جُنْدُهُ؛ فانْحَلَّ عِقْدُهُ؛ وانْثَلَمَ حَدُّهُ؛ (p-٥٣٥)عَلَّلَ هَذِهِ العِلَّةَ بِما يَخُصُّهُ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِاسْتِبْعادِ ذَلِكَ؛ بِالقِياسِ عَلى ما يَعْهَدُونَ -: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿الغَفُورُ﴾؛ أيْ: البَلِيغُ المَغْفِرَةِ؛ بِحَيْثُ يَمْحُو الذُّنُوبَ؛ مَهْما شاءَ؛ عَيْنًا وأثَرًا؛ فَلا يُعاقِبُ؛ ولا يُعاتِبُ؛ ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ أيْ: المُكْرِمُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ؛ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أصْلًا عَلى نَوْعِ اعْتِراضٍ عَلَيْهِ؛ ولا تَوْجِيهِ طَعْنٍ إلَيْهِ.
{"ayah":"۞ قُلۡ یَـٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











