الباحث القرآني

(p-٢٢٣)ولَمّا قالَ لَهُمُ الرُّؤَساءُ ما هو الحَقُّ مِن أمْرِهِمْ؛ مِمّا أوْجَبَ الحُكْمَ بِاشْتِراكِهِمْ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ (تَعالى) - مُؤَكِّدًا؛ دَفْعًا لِمَن يَتَوَهَّمُ اخْتِصاصَ العَذابِ بِالسَّبَبِ -: ﴿فَإنَّهُمْ﴾؛ أيْ: الفَرِيقَيْنِ؛ بِسَبَبِ ما ذَكَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ؛ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أيْ: يَوْمَ إذْ كانَ هَذا التَّقاوُلُ بَيْنَهُمْ؛ ﴿فِي العَذابِ﴾؛ أيْ: الأكْبَرِ؛ ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾؛ أيْ: في أصْلِهِ؛ وهم مَعَ ذَلِكَ مُتَفاوِتُونَ في وصْفِهِ؛ عَلى مَقادِيرِ كُفْرِهِمْ؛ كَما كانُوا مُتَشارِكِينَ في السَّبَبِ؛ مُتَفاوِتِينَ في شِدَّتِهِمْ فِيهِ؛ ولِينِهِمْ؛ هَذا وقَدْ قالَ البُخارِيُّ؛ في صَحِيحِهِ؛ في تَفْسِيرِ ”حـم السَّجْدَةِ“: وقالَ المِنهالُ عَنْ سَعِيدٍ: قالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنِّي أجِدُ في القُرْآنِ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ؛ قالَ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؛ فَقَدْ كَتَمُوا في هَذِهِ الآيَةِ؛ وقالَ: ﴿السَّماءُ بَناها﴾ [النازعات: ٢٧]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠]؛ فَذَكَرَ خَلْقَ السَّماءِ قَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]؛ إلى: ﴿طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]؛ فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ خَلْقَ الأرْضِ قَبْلَ السَّماءِ؛ وقالَ: ”وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا“؛ ”عَزِيزًا حَكِيمًا“؛ ”سَمِيعًا بَصِيرًا“؛ فَكَأنَّهُ كانَ؛ ثُمَّ مَضى؛ فَقالَ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١]؛ في النَّفْخَةِ الأُولى؛ ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ؛ (p-٢٢٤)فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ؛ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ؛ فَلا أنْسابَ عِنْدَ ذَلِكَ؛ ولا يَتَساءَلُونَ؛ ثُمَّ في النَّفْخَةِ الآخِرَةِ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ؛ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]؛ فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأهْلِ الإخْلاصِ ذُنُوبَهُمْ؛ وقالَ المُشْرِكُونَ: تَعالَوْا نَقُولُ: لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ؛ فَخُتِمَ عَلى أفْواهِهِمْ؛ فَتَنْطِقُ أيْدِيهِمْ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أنَّ اللَّهَ لا يُكْتَمُ حَدِيثًا؛ وعِنْدَهُ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ الآيَةَ؛ وخَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ؛ ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ؛ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ؛ ثُمَّ دَحا الأرْضَ؛ و﴿دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠]؛ أيْ: أخْرَجَ مِنها الماءَ؛ والمَرْعى؛ وخَلَقَ الجِبالَ؛ والآكامَ؛ وما بَيْنَهُما في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠]؛ وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]؛ فَجُعِلَتِ الأرْضُ وما فِيها مِن شَيْءٍ في أرْبَعَةِ أيّامٍ؛ وخُلِقَتِ السَّماواتُ في يَوْمَيْنِ؛ ”وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا“؛ سَمّى نَفْسَهُ ذَلِكَ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ؛ أيْ: لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ؛ فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إلّا أصابَ بِهِ الَّذِي أرادَ؛ فَلا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ القُرْآنُ؛ فَإنَّ كُلًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ في سُورَةِ ”المُرْسَلاتِ“: وسُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥]؛ فَقالَ: إنَّهُ ذُو ألْوانٍ؛ مَرَّةً يَنْطِقُونَ؛ ومَرَّةً يَخْتِمُ عَلَيْهِمْ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب