الباحث القرآني

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَنْ ماذا؟ أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: الأتْباعُ لِرُؤَسائِهِمْ؛ مُشِيرِينَ بِأداةِ الكَوْنِ إلى المُداوَمَةِ عَلى إضْلالِهِمْ؛ مُؤَكِّدِينَ لِأجْلِ تَكْذِيبِ الرُّؤَساءِ لَهُمْ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ﴾؛ ولَمّا كانُوا يَسْتَغْوُونَهُمْ؛ ويُغْرُونَهم (p-٢١٢)بِما تَقْبَلُهُ عُقُولُهُمْ؛ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُهُمْ؛ بِحَيْثُ يَقْطَعُونَ بِذَلِكَ قَطْعَ مَن كانَ يُرِيدُ الذَّهابَ إلى أمْرٍ؛ فَتَطَيَّرَ بِالسّانِحِ؛ والبارِحِ؛ فَرَأى ما يُحِبُّ؛ فَأقْدَمَ عَلَيْهِ وهو قاطِعٌ بِحُصُولِهِ؛ أشارُوا إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿تَأْتُونَنا﴾؛ مُجاوِزِينَ لَنا؛ ﴿عَنِ اليَمِينِ﴾؛ أيْ: عَنِ القُوَّةِ؛ والقَهْرِ؛ والغَلَبَةِ؛ والسُّلْطانِ؛ في حَمْلِكم لَنا عَلى الضَّلالِ؛ فَفَعَلْنا في طاعَتِكم فِعْلَ مَن خَرَجَ لِحاجَةٍ؛ فَرَأى ما أوْجَبَ إقْدامَهُ عَلَيْها؛ فَهَذا كانَ سَبَبَ كُفْرِنا؛ وكانَ هَذا التَّفاؤُلُ مِمّا نَسِيَتِ العَرَبُ كَيْفِيَّتَهُ لَمّا نَسَخَهُ الشَّرْعُ؛ كَما وقَعَ في المَيْسِرِ؛ فاضْطَرَبَ كَلامُ أهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِهِ؛ قالَ صاحِبُ القامُوسِ: ”البارِحُ مِنَ الصَّيْدِ“: ما مَرَّ مِن مَيامِنِكَ إلى مَياسِرِكَ؛ و”سَنَحَ الظَّبْيُ سُنُوحًا“: ضِدُّ ”بَرِحَ“؛ وقالَ ابْنُ القَطّاعِ؛ في كِتابِ ”الأفْعالُ“: و”سَنَحَ الشَّيْءُ سُنُوحًا“: تَيَسَّرَ؛ و”الطّائِرُ؛ والظَّبْيُ“: جَرى عَنْ يَمِينِكَ إلى يَسارِكَ؛ وهو يَتَيَمَّنُ بِهِ؛ وقالَ في مادَّةِ ”بَرِحَ“: و”بَرِحَ الطّائِرُ؛ والظَّبْيُ؛ وغَيْرُهُما“: ضِدُّ سَنَحَ؛ وهو ما أراكَ مَيامِنَهُ؛ وأهْلُ الحِجازِ يَتَشاءَمُونَ بِهِ؛ وغَيْرُهم يَتَيَمَّنُونَ بِهِ؛ ويَتَشاءَمُونَ بِالسّانِحِ؛ وقالَ ابْنُ مَكْتُومٍ؛ في الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ؛ في مادَّةِ ”بَرِحَ“: و”البارِحُ“: خِلافُ السّانِحِ؛ و”قَدْ بَرِحَ الظَّبْيُ“؛ إذا والاكَ مَياسِرَهُ؛ يَمُرُّ مِن مَيامِنِكَ إلى مَياسِرِكَ؛ والعَرَبُ تَتَطَيَّرُ بِالبارِحِ؛ وفي (p-٢١٣)مادَّةِ ”سَنَحَ“: و”السّانِحُ“: ما أتاكَ عَنْ يَمِينِكَ؛ مِن ظَبْيٍ؛ أوْ طائِرٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ و”البارِحُ“: ما أتاكَ مِن ذَلِكَ عَنْ يَسارِكَ؛ وقِيلَ: ”السّانِحُ“: ما والاكَ مَيامِنَهُ؛ و”البارِحُ“: ما والاكَ مَياسِرَهُ؛ وقِيلَ: ”السّانِحُ“: ما يَجِيءُ عَنْ يَمِينِكَ؛ فَتَلِي مَياسِرُهُ مَياسِرَكَ؛ والعَرَبُ تَخْتَلِفُ في عِيافَةِ ذَلِكَ؛ فَمِنهم مَن يَتَيَمَّنُ بِالسّانِحِ؛ ويَتَشاءَمُ بِالبارِحِ؛ وعَلى هَذا المَثَلُ: ”مَن لِي بِالسّانِحِ بَعْدَ البارِحِ“؛ قالَ في القامُوسِ: أيْ بِالمُبارَكِ بَعْدَ المَشْؤُومِ؛ ومِنهم مَن يَتَشاءَمُ بِالسّانِحِ؛ وقالَ الإمامُأبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ؛ في مادَّةِ ”سَنَحَ“: و”السّانِحُ مِنَ الطَّيْرِ؛ والظِّباءِ؛ وغَيْرِهِما“؛ هو الَّذِي يَأْتِيكَ عَنْ يَمِينِكَ أخْذًا عَلى يَسارِكَ؛ فَيُوَلِّيكَ مَياسِرَهُ؛ فَيُمْكِنُكَ رَمْيُهُ؛ وأكْثَرُ العَرَبِ يَتَيَمَّنُ بِهِ؛ وقالَ في مادَّةِ ”بَرِحَ“: و”البارِحُ مِنَ الطَّيْرِ؛ والظَّبْيِ“؛ هو خِلافُ السّانِحِ؛ وهو الَّذِي يَلْقاكَ وشَمائِلُهُ عَنْ شَمائِلِكَ؛ وهو مِمّا يَتَيَمَّنُ بِهِ أهْلُ العالِيَةِ؛ ويَتَشاءَمُونَ بِالسّانِحِ؛ و”السّانِحُ“؛ هو الَّذِي يَلْقاكَ ومَيامِنُهُ عَنْ مَيامِنِكَ؛ وهو مِمّا يَتَيَمَّنُ بِهِ أهْلُ نَجْدٍ؛ ويَتَشاءَمُونَ بِالبارِحِ؛ و”البارِحُ“ أبْيَنُ في التَّشاؤُمِ مِن ”السّانِحُ“؛ لِأنَّ البارِحَ هو الَّذِي يَأْخُذُ عَنْ يَسارِكَ إلى يَمِينِكَ؛ فَلا يُمْكِنُكَ طَعْنُهُ؛ فَيُتَشاءَمُ بِهِ لِتَعَذُّرِهِ عَلى الطّاعِنِ؛ أوِ الرّامِي؛ ولِذَلِكَ قالَ أبُو داوُدَ: ؎قُلْتُ لَمّا بَرَزا مِن قُنَّةٍ ∗∗∗ كَذَبَ العَيْرُ وإنْ كانَ بَرَحْ يَقُولُ: كَذَبَ إذْ طَمِعَ أنْ يَنْجُوَ؛ وإنْ كانَ قَدْ بَرِحَ؛ وصَعُبَ (p-٢١٤)عَلى إمْكانِ طَعْنِهِ؛ وتَطَيَّرَ مَن تَيَمَّنَ بِهِ بِسَلامَتِهِ وخَلاصِهِ مِنَ الطّاعِنِ؛ وتَطَيَّرَ مَن تَيَمَّنَ بِالسّانِحِ بِأنَّهُ يَأْتِي مِن مَيامِنِكَ إلى مَياسِرِكَ؛ فَيُمَكِّنُكَ مِن طَعْنِهِ؛ ومَن تَشاءَمَ بِهِ تَطَيَّرَ بِقِلَّةِ سَلامَتِهِ؛ ووُقُوعِهِ فِيما يَكْرَهُ؛ ومِنَ الطَّيْرِ الجابِهُ؛ وهو الَّذِي يَلْقاكَ مُواجَهَةً؛ ومِنهُ النّاطِحُ أيْضًا؛ ومِنهُ القَعِيدُ؛ وهو الَّذِي يَأْتِيكَ مِن خَلْفِكَ؛ انْتَهى ما وقَفْتُ عَلَيْهِ مِن كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ في ذَلِكَ؛ فافْهَمْ؛ والظّاهِرُ كَما تُفْهِمُهُ الآيَةُ أنَّ العَرَبَ مُطْبِقَةٌ عَلى أنَّ ما أتى عَنِ اليَمِينِ كانَ مُبارَكًا؛ سَواءٌ كانَ أتى مِن قُدّامُ؛ مُواجِهًا لَكَ؛ ومَرَّ إلى جِهَةِ الخَلْفِ؛ فَوَلِيَتْكَ مَيامِنُهُ؛ أوْ أتى مِنَ الجانِبِ الأيْمَنِ؛ سَواءٌ كانَ ابْتِداءُ إتْيانِهِ مِن خَلْفُ؛ أوْ لا؛ فَمَرَّ مِن قُدّامِكَ عَرْضًا إلى جِهَةِ اليَسارِ؛ فَوَلِيَتْكَ في الحالَتَيْنِ مَياسِرُهُ؛ وما أتى مِن جِهَةِ اليَسارِ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ كانَ مَشْؤُومًا؛ وكَأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في التَّسْمِيَةِ؛ فَأكْثَرُهم سَمّى الأوَّلَ ”سانِحًا“؛ مِن ”السُّنْحُ“؛ بِالضَّمِّ؛ وهو اليُمْنُ؛ والبَرَكَةُ؛ وهو مِن قَوْلِهِمْ: ”سَنَحَ لِي رَأْيٌ“؛ تَيَسَّرَ؛ لِشُهْرَةِ مَعْنى اليُمْنِ عِنْدَهم في ذَلِكَ؛ والثّانِي ”بارِحًا“؛ مِن ”البَرْحُ“؛ وهو الشِّدَّةُ؛ والشَّرُّ؛ لِشُهْرَةِ هَذا المَعْنى عِنْدَهم في مادَّةِ ”بَرِحَ“؛ وبَعْضُهم عَكَسَ؛ فَسَمّى الأوَّلَ ”بارِحًا“؛ مِن ”البَرْحَةُ“؛ وهي النّاقَةُ تَكُونُ مِن خِيارِ الإبِلِ؛ لِشُهْرَةِ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ؛ وسَمّى الثّانِي ”سانِحًا“؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”سَنَحَهُ عَمّا أرادَ“؛ صَرَفَهُ؛ و”سَنَحَ بِالرَّجُلِ؛ وعَلَيْهِ“: أخْرَجَهُ؛ (p-٢١٥)أوْ أصابَهُ بِشَرٍّ؛ فَمِنَ الِاخْتِلافِ في التَّسْمِيَةِ أتى الخِلافُ؛ ولِذَلِكَ عَبَّرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالمَعْنى؛ دُونَ الِاسْمِ؛ لِأنَّ كَلامَهُ - سُبْحانَهُ - لا يَخُصُّ قَوْمًا دُونَ غَيْرِهِمْ؛ وأمّا التَّعْلِيلُ بِإمْكانِ الطَّعْنِ؛ والرَّمْيِ؛ فَلا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَنْفَتِلُ عَنْ هَيْئَةِ وُقُوفِهِ بِأدْنى حَرَكَةٍ؛ فَيَنْعَكِسُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أمْرُ المَياسِرِ؛ والمَيامِنِ؛ ويَتَغَيَّرُ حالُ الطَّعْنِ والرَّمْيِ؛ هَذا إذا سُلِّمَ أنَّ الطَّعْنَ والرَّمْيَ يَعْسُرُ مِن جِهَةِ المَياسِرِ؛ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ ولَوْ كانَ المَعْنى دائِرًا عَلَيْهِ؛ لِما اخْتُلِفَ فِيهِ؛ إلّا بِالنِّسْبَةِ إلى الأعْسَرِ؛ وغَيْرِهِ؛ لا بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ العالِيَةِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ وأمّا البَيْتُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ؛ فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى أنَّ قائِلَهُ كانَ في حاجَةٍ لَهُ؛ لا بُدَّ لَهُ مِنها؛ فَرَأى البارِحَ؛ فَلَمْ يَتَطَيَّرْ مِنهُ؛ ولَجَّ في أمْرِهِ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهُ؛ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ عِنْدَ العَرَبِ؛ وأمّا الجابِهُ وغَيْرُهُ فَأسْماءٌ أُخَرُ لِبَعْضِ أنْواعِ كُلٍّ مِنَ السّانِحِ؛ والبارِحِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ؛ أحْمَدُ بْنُ حَمْدانَ الرّازِيُّ؛ في كِتابِهِ ”الزِّينَةُ“: العِيافَةُ؛ والقِيافَةُ؛ والزَّجْرُ؛ نَوْعٌ مِنَ الكَهانَةِ؛ إلّا أنَّهُ أخَفُّ في الكَراهَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ الكاهِنَ كانَ بِمَنزِلَةِ الحاكِمِ؛ وكانَ مِنَ الكُهّانِ مَن يُعْبَدُ كَما يُعْبَدُ الصَّنَمُ؛ وكانُوا سَدَنَةَ الأصْنامِ؛ قُلْتُ: والكاهِنُ في اللُّغَةِ: مَن يَقْضِي بِالغَيْبِ؛ وذَلِكَ هو غايَةُ العِلْمِ؛ فَهو وصْفٌ يَدُلُّ عَلى التَّوَغُّلِ في العِلْمِ؛ انْتَهى؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ بَعْضَ أهْلِ الأدَبِ قالَ: ”الكاهِنُ“؛ بِالعِبْرانِيَّةِ: العالِمُ؛ وكانُوا يُسَمُّونَ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كهنا ربا؛ مَعْناهُ عالِمُ الرَّبِّ؛ ثُمَّ قالَ: (p-٢١٦)إنَّ الكَهانَةَ؛ والسِّحْرَ؛ كانا عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ نَوْعًا مِنَ العِلْمِ؛ فَكانَ السّاحِرُ؛ والكاهِنُ؛ اسْمَيْنِ مَحْمُودَيْنِ؛ فَلَمّا جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ؛ صارَ هَذانِ الِاسْمانِ مَذْمُومَيْنِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ؛ لَمّا كَشَفَ لَهم ما في ذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ؛ ثُمَّ قالَ: فَأمّا العائِفُ؛ والقائِفُ؛ والزّاجِرُ؛ فَلَمْ يَكُنْ سَبِيلُهم كَذَلِكَ - يَعْنِي كالكاهِنِ؛ في أنَّهُ رُبَّما عُبِدَ -؛ قالَ: وإنَّما كُرِهَ لِأنَّهُ كانَ يُخْبِرُ بِشَيْءٍ غائِبٍ؛ فَكُرِهَ كَما كُرِهَ أمْرُ النُّجُومِ؛ تَوَقِّيًا أنْ يَكُونَ مِثْلَ الدَّعْوى في عِلْمِ الغَيْبِ؛ والعائِفُ هو الَّذِي يَعِيفُ الطَّيْرَ؛ ويَزْجُرُها؛ ويَعْتَبِرُ بِأسْمائِها؛ وأصْواتِها؛ ومَساقِطِها؛ ومَجارِيها؛ فَإذا سَمِعَ صَوْتَ طائِرٍ؛ أوْ جَرى مِن يَمِينِهِ إلى شِمالِهِ؛ أوْ مِن شِمالِهِ إلى يَمِينِهِ؛ قَضى في ذَلِكَ بِخَيْرٍ؛ أوْ بِشَرٍّ؛ في الأمْرِ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ؛ فَإذا قَضى فِيهِ بِشَرٍّ تُجُنِّبَ ذَلِكَ الأمْرُ؛ يُقالُ: ”عافَ؛ يَعِيفُ“؛ إذا فَعَلَ ذَلِكَ؛ ومَعْنى ”عافَ“؛ أيْ: امْتَنَعَ؛ وتَجَنَّبَ؛ يُقالُ: ”عافَتِ الإبِلُ الماءَ“؛ إذا لَمْ تَشْرَبْ؛ وكَذَلِكَ يُقالُ في غَيْرِ الإبِلِ؛ و”الزّاجِرُ“ أيْضًا: هو مِثْلُ ”العائِفُ“؛ يُقالُ: يَزْجُرُ الطَّيْرَ زَجْرًا؛ وذَلِكَ أنَّهُ يَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ فَيَقْضِي فِيها مِثْلَ العائِفِ؛ فَإذا رَأى شَيْئًا كَرِهَهُ رَجَعَ عَنْ أمْرٍ يُرِيدُ أنْ يَشْرَعَ فِيهِ؛ أوْ حاجَةٍ يُرِيدُ قَضاءَها؛ و”الزّاجِرُ“؛ مَعْناهُ: النّاهِي؛ فَكَأنَّ الطَّيْرَ قَدْ زَجَرَهُ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ؛ أوْ أنَّ مَن عافَ لَهُ زَجَرَهُ عَنْ ذَلِكَ؛ ويَكُونُ مَعْنى الزَّجْرِ أيْضًا أنَّهُ إذا رَأى مِنها شَيْئًا (p-٢١٧)صاحَ بِها وطَرَدَها؛ فَكانَ طَرْدُهُ إيّاها زَجْرًا لَها؛ ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «”أقِرُّوا الطَّيْرَ عَلى مَكِناتِها“؛» قُلْتُ: إنَّهم كانُوا إذا لَمْ يَرَوْا سانِحًا؛ ولا بارِحًا نَفَرُوا الطَّيْرَ لِيَنْظُرُوا إلى أيِّ جِهَةٍ تَطِيرُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: والأصْلُ في هَذا أنَّهم كانُوا يَزْجُرُونَ الطَّيْرَ؛ ثُمَّ كانُوا يَزْجُرُونَ الظَّبْيَ؛ والثَّعْلَبَ؛ وبِصَوْتِ الإنْسانِ يَسْتَدِلُّونَ بِلَفْظِهِ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ نُسِبَتْ كُلُّها إلى الطَّيْرِ؛ فَقِيلَ: يَتَطَيَّرُ؛ أيْ يَسْتَدِلُّ بِالطَّيْرِ؛ ورُوِيَ عَنِ الأصْعَمِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَوْنٍ: ما الفَأْلُ؟ فَقالَ: هو أنْ تَكُونَ مَرِيضًا فَتَسْمَعَ: يا سالِمُ؛ وتَكُونَ باغِيًا فَتَسْمَعَ يا واجِدُ؛ قالَ: وكانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ الطِّيرَةَ؛ ويُحِبُّ الفَأْلَ؛ وفي الحَدِيثِ: «”أصْدَقُ الطِّيَرَةِ الفَأْلُ“؛» و”الفَأْلُ“؛ مَأْخُوذٌ مِن ”الفِيالُ“؛ وهي لُعْبَةٌ يَتَقامَرُونَ بِها؛ كانُوا يَأْخُذُونَ الدَّراهِمَ فَيَخْلِطُونَها بِالتُّرابِ؛ ثُمَّ يَجْمَعُونَهُ طَوِيلًا؛ ثُمَّ يَقْسِمُونَهُ بِنِصْفَيْنِ؛ ويَتَقارَعُونَ عَلَيْهِ؛ فَمَن أصابَهُ القُرْعَةُ اخْتارَ مِنَ القِسْمَيْنِ واحِدًا؛ فَلَمّا كانَ المُفايِلُ يَخْتارُ مِنهُما ما أحَبَّ؛ سُمِّيَ ”الفَأْلَ“؛ لِأنَّهُ يَتَفاءَلُ بِما يُحِبُّهُ؛ وكانَ هَذا في العَرَبِ كَثِيرًا؛ وأكْثَرُهُ في بَنِي أسَدٍ؛ قالَ الأصْمَعِيُّ: (p-٢١٨)أخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ نَصْرٍ أنْ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ تَذاكَرُوا عِيافَةَ بَنِي أسَدٍ؛ فَأتَوْهُمْ؛ فَقالُوا: ضَلَّتْ لَنا ناقَةٌ؛ فَلَوْ أرْسَلْتُمْ مَعَنا مَن يَعِيفُ؛ فَقالُوا لِغُلَيْمٍ لَهُمْ: انْطَلِقْ مَعَهُمْ؛ فاسْتَرْدَفَهُ أحَدُهُمْ؛ ثُمَّ سارُوا فَلَقِيَتْهم عُقابٌ كاسِرَةٌ إحْدى جَناحَيْها؛ فاقْشَعَرَّ الغُلَيْمُ؛ فَبَكى؛ فَقالُوا لَهُ: ما لَكَ؟ فَقالَ: كَسَرَتْ جَناحًا؛ ورَفَعَتْ جَناحًا؛ وحَلَفَتْ بِاللَّهِ صَراحًا؛ ما أنْتَ بِإنْسِيٍّ؛ ولا تَبْغِي لِقاحًا؛ وكانُوا يُسَمُّونَ الَّذِي يَجِيءُ عَنْ يَمِينِكَ فَيَأْخُذُ إلى شِمالِكَ ”سانِحًا“؛ والَّذِي يَجِيءُ عَنْ يَسارِكَ فَيَأْخُذُ عَلى يَمِينِكَ ”بارِحًا“؛ والَّذِي يَسْتَقْبِلُكَ ”ناطِحًا“؛ و”كافِحًا“؛ والَّذِي يَجِيءُ مِن خَلْفِكَ ”قَعِيدًا“؛ والَّذِي يُعَرِّضُ في كُلِّ وجْهٍ ”مُتِيحًا“؛ فَمِنهم مَن كانَ يَتَشاءَمُ بِالبارِحِ؛ ويَتَيَمَّنُ بِالسّانِحِ؛ ومِنهم مَن كانَ يَتَيَمَّنُ بِالبارِحِ؛ ويَتَشاءَمُ بِالسّانِحِ؛ قالَ زُهَيْرٌ: ؎جَرَتْ سُنُحًا فَقُلْتُ لَها أجِيزِي ∗∗∗ نَوًى مَشْمُولَةٌ فَمَتى اللِّقاءُ وقالَ الكُمَيْتُ: ؎ولا السّانِحاتُ البارِحاتُ عَشِيَّةً ∗∗∗ أمَرَّ سَلِيمُ القَرْنِ أمْ مَرَّ أعْضَبُ؟ وكانُوا يَزْجُرُونَ بِعَضْبِ القَرْنِ وصِحَّتِهِ؛ والأعْضَبُ الَّذِي لَهُ قَرْنٌ واحِدٌ؛ وأما القائِفُ فَهو الَّذِي يَتْبَعُ الآثارَ ويَعْرِفُها؛ ويَعْرِفُ شَبَهَ الرَّجُلِ في (p-٢١٩)ولَدِهِ؛ ويُرْوى عَنْ عَوْسَجَةَ بْنِ مُعَقِّبٍ القائِفِ: قالَ: كُنّا تُسْرَقُ نَخْلُنا فَنَعْرِفُ آثارَهُمْ؛ فَرَكِبُوا الحُمُرَ فَعَرَفْنا بِمَسِّ أيْدِيهِمْ؛ والعُذُوقِ؛ فَكَأنَّ القائِفَ سُمِّيَ قائِفًا لِأنَّهُ يَقْفُو الأثَرَ؛ يُقالُ: ”قَفا الأثَرَ“؛ و”قافَ الأثَرَ“؛ أيْ: تَبِعَهُ؛ قالَ الأصْمَعِيُّ: عَنْ أبِي طَرَفَةَ الهُذَلِيِّ قالَ: رَأى قائِفانِ أثَرَ بَعِيرٍ؛ وهُما مُنْصَرِفانِ مِن عَرَفَةَ؛ بَعْدَ النّاسِ بِيَوْمٍ؛ أوْ يَوْمَيْنِ؛ فَقالَ أحَدُهُما: ناقَةٌ؛ وقالَ الآخَرُ: جَمَلٌ؛ فاتَّبَعاهُ؛ فَإذا هُما بِهِ؛ فَأطافا بِهِ فَإذا هو خُنْثى؛ ويُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ فَطِنًا؛ عارِفًا بِالأُمُورِ: هو عائِفٌ؛ وقائِفٌ؛ وكانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ لا يَتَطَيَّرُونَ؛ ولا يَتَهَيَّبُونَ الطِّيَرَةَ؛ ويَفْتَخِرُونَ بِتَرْكِهِ؛ ويَعُدُّونَ تَرْكَهُ شَجاعَةً وإقْدامًا؛ قالَ بَعْضُ شُعَرائِهِمْ: ؎ولَقَدْ غَدَوْتُ وكُنْتُ لا ∗∗∗ أغْدُو عَلى واقٍ وحاتِمِ ؎فَإذا الأشائِمُ كالأيا ∗∗∗ مِنِ والأيامِنُ كالأشائِمِ وقالَ آخَرُ: ؎ولَسْتُ بِهَيّابٍ إذا اشْتَدَّ رَحْلُهُ ∗∗∗ يَقُولُ عَدانِي اليَوْمَ واقٍ وحاتِمُ ؎ولَكِنَّهُ يَمْضِي عَلى ذاكَ مُقْدِمًا ∗∗∗ إذا صَدَّ عَنْ تِلْكَ الهَناةِ الخَثارِمُ (p-٢٢٠)الخَثارِمُ: المُطَيِّرُ؛ وقِيلَ: العِيافَةُ؛ والقِيافَةُ: الطُّرُقُ والخَطُّ؛ وهو أيْضًا نَوْعٌ مِنَ الكَهانَةِ؛ وهو أنْ يَخُطَّ في الأرْضِ خُطَطًا في الطُّولِ؛ ثُمَّ يَخُطُّ عَلَيْها خُطَطًا في العَرْضِ؛ ثُمَّ يَطْرُقُ بِالحَصى أوْ بِالشَّعِيرِ؛ أوْ بِخَشَباتٍ؛ ولا يَزالُ يَخُطُّ؛ ويَمْحُو؛ ويُعِيدُ؛ ثُمَّ يَتَكَهَّنُ عَلَيْهِ؛ ومِن هَذا البابِ أيْضًا عِلْمُ الكَتِفِ؛ وهو أنْ يَنْظُرَ في كَتِفِ شاةٍ؛ فَيُحَدِّثَ بِأشْياءَ تَكُونُ في العالَمِ؛ مِثْلِ الحُرُوبِ؛ والأمْطارِ؛ والرِّياحِ؛ والجَدْبِ؛ والخِصْبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهَذا يُقالُ لَهُ: الكَتّافُ؛ كَأنَّهُ اشْتُقَّ لَهُ اسْمٌ مِنَ الكَتِفِ؛ مِثْلَ ”العَرّافُ“؛ لِأنَّ العَرّافَ مِن جِنْسِ العِيافَةِ؛ والعِيافَةُ؛ والعَرافَةُ سَواءٌ؛ فَهَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها مِنَ السِّحْرِ؛ والكَهانَةِ؛ والقِيافَةِ؛ والعِيافَةِ؛ والخَطِّ؛ والطُّرُقِ؛ والكَتِفِ؛ وما أشْبَهَها؛ قَدْ جاءَتْ فِيها الأخْبارُ؛ والرِّواياتُ؛ ويَطُولُ الخَطْبُ بِها؛ وهي كُلُّها مَكْرُوهَةٌ؛ حَرامٌ؛ فَمِنها ما جاءَ فِيها التَّشْدِيدُ؛ مِثْلَ السِّحْرِ؛ والكَهانَةِ؛ ومِنها ما جاءَ في القَلِيلِ مِنها الرُّخَصُ؛ والتَّخْفِيفُ؛ مِثْلَ القِيافَةِ؛ والعِيافَةِ؛ والكَتِفِ؛ انْتَهى. وهُوَ مُسَلَّمٌ لَهُ في القِيافَةِ؛ وأمّا غَيْرُها فَمُنازَعٌ فِيهِ؛ ثُمَّ قالَ: فَأكْثَرُ هَذِهِ الأشْياءِ أُصُولُها مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ فَإذا اسْتُعْمِلَتْ بَعْدَ النَّسْخِ؛ وبَعْدَما جاءَ فِيها النَّهْيُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ كانَتْ حَرامًا؛ تَدْعُو إلى الكُفْرِ؛ والتَّعْطِيلِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الفَسادِ؛ ثُمَّ قالَ: وما كانَ مِن أمْرِ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ فَقَدْ دَرَسَ دُرُوسًا لا يُعْرَفُ؛ ولا يُحْتاجُ إلى ذِكْرِ كَيْفِيَّتِهِ؛ إذْ كانَ مُتَلاشِيًا؛ لا أثَرَ لَهُ؛ (p-٢٢١)ولَكِنْ لا يَسْتَغْنِي الفُقَهاءُ والعُلَماءُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ؛ إذْ كانَ لَهُ في القُرْآنِ ذِكْرٌ؛ وإذْ كانَ واجِبًا عَلى العُلَماءِ تَعَلُّمُ ما في القُرْآنِ؛ عَلى حَسَبِ طاقَتِهِمْ؛ والجَهْلُ بِهِ نَقْصٌ عَلَيْهِمْ؛ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب