الباحث القرآني

ولَمّا كانَ إلْياسُ أعْظَمَ المُتَجَرِّدِينَ مِن أتْباعِهِما المُجَدِّدِينَ لِما دَرَسَ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ؛ وكانَ تَرْكُ أحْكامِها مَعَ ما وُصِفَتْ بِهِ مِنَ البَيانِ؛ وما دَعَتْ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِقامَةِ؛ في غايَةٍ مِنَ الضَّلالِ تَكادُ ألّا يُصَدَّقَ (p-٢٨٣)مِثْلُها؛ أشارَ إلى الزَّيْغِ عَنْهُ؛ بَيانًا لِأنَّ القُلُوبَ بِيَدِهِ - سُبْحانَهُ - فَقالَ - مُؤَكِّدًا -: ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾؛ أيْ: الَّذِي كانَ أحَدَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ عِنْدَ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ؛ إلّا ابْنَ مَسْعُودٍ؛ وعِكْرِمَةَ؛ وهو مِن سِبْطِ لاوِي؛ ومِن أوْلادِ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: هو عَمُّ اليَسَعَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وأرْسَلْناهُ إلى مَن كانَ مِنهم في أرْضِ بَعْلَبَكَّ ونَواحِيها؛ فَلَمّا لَمْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ نَزَعْنا عَنْهُ الشَّهَواتِ الإنْسانِيَّةِ؛ وخَلَّقْناهُ بِالأوْصافِ المَلَكِيَّةِ؛ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الدّاعِي إلى تَسْمِيَتِهِ بِهَذا الِاسْمِ ما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ يَيْأسُ مِمَّنْ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ؛ فَيَكُونُ مِمَّنْ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ وما مَعَهُ إلّا الواحِدُ؛ أوْ الِاثْنانِ؛ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ كَما رَواهُ الشَّيْخانِ؛ البُخارِيُّ؛ في الرُّقاقِ والطِّبِّ؛ ومُسْلِمٌ؛ في الإيمانِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «”عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ؛ فَرَأيْتُ النَّبِيَّ ومَعَهُ رُهَيْطٌ؛ والنَّبِيَّ ومَعَهُ الرَّجُلُ؛ والرَّجُلانِ؛ والنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ“؛» فَجَعَلَ - سُبْحانَهُ - اسْمَهُ مُناسِبًا لِأمْرِهِ في قَوْمِهِ؛ بِيَأْسِهِ مِنهُمْ؛ حِينَ فَرَّ إلى الجِبالِ مِن شَرِّهِمْ؛ ويَأْسِهِمْ مِنَ القُدْرَةِ عَلى قَتْلِهِ؛ فَإنَّهُمُ اجْتَهَدُوا في ذَلِكَ حَتّى أعْياهُمْ؛ وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى هَذا المَعْنى قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ؛ بِخِلافٍ عَنْهُ؛ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ في الدَّرْجِ؛ وفَتْحِها في الِابْتِداءِ؛ وإنْ قالَ العُلَماءُ - كَما حَكاهُ السَّمِينُ؛ في إعْرابِهِ -: إنَّ ذَلِكَ مِن تَلاعُبِ (p-٢٨٤)العَرَبِ بِالأسْماءِ العَجَمِيَّةِ؛ قَطَعُوا هَمْزَتَهُ تارَةً؛ ووَصَلُوها أُخْرى؛ يَعْنِي فَخاطَبَهم - سُبْحانَهُ - بِما ألِفُوهُ مِن لِسانِهِمْ؛ ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾؛ أيْ: إلى مَن بَدَّلَ أمْرَ التَّوْراةِ؛ ونابَذَ ما دَعَتْ إلَيْهِ؛
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب