الباحث القرآني

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ المُرادَ بِهَذا الأمْرِ بِالِاسْتِفْتاءِ إنَّما هو التَّبْكِيتُ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ الجَوابَ: لَيْسُوا أشَدَّ خَلْقًا مِن ذَلِكَ؛ فَلَيْسَ بَعْثُهم مُمْتَنِعًا؛ ولَيْسَتْ غَلَبَتُهم لِرَسُولِ الواحِدِ القَهّارِ - الَّذِي حَكَّمَهُ في هَذا الوَحْيِ بِإظْهارِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ - بِجائِزَةٍ أصْلًا نَقْلًا؛ ولا عَقْلًا؛ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ فَلا شُبْهَةَ لَهم في إنْكارِهِ؛ ولا في ظَنِّهِمْ أنَّهم يَغْلِبُونَ رَسُولَنا؛ بَلْ هم في مَحَلِّ عَجَبٍ شَدِيدٍ في إنْكارِهِ؛ وظَنِّهِمْ أنَّهم غالِبُونَ في الدُّنْيا؛ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُسْنِدًا العَجَبَ إلى (p-٢٠٢)أجَلِّ المَوْجُوداتِ؛ أوْ أجَلِّ المَخْلُوقاتِ؛ تَعْظِيمًا لَهُ؛ بِمَعْنى أنَّهُ قَوْلٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ فِيهِ: إنَّهُ لا يَدْرِي ما الَّذِي أوْقَعَ فِيهِ؛ وكانَ سَبَبًا لِارْتِكابِهِ؛ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾؛ بِضَمِّ التّاءِ؛ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ لَفْتًا لِلْقَوْلِ مِن مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ لِلتَّصْرِيحِ بِإسْنادِ التَّعَجُّبِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - إشارَةً إلى تَناهِي هَذا العَجَبِ إلى حَدٍّ لا يُوصَفُ؛ لِإسْنادِهِ إلى مَن هو مُنَزَّهٌ عَنْهُ؛ وبِفَتْحِها عِنْدَ الباقِينَ؛ أيْ: مِن جُرْأتِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ؛ ولا سِيَّما وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ في هَذِهِ الأسالِيبِ الغَرِيبَةِ؛ والوُجُوهِ البَدِيعَةِ العَجِيبَةِ؛ الَّتِي لا يَشُكُّ فِيها مَن لَهُ أدْنى تَصَوُّرٌ؛ وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ ظَنَّ - كَما هو اللّائِقُ - أنَّهُ لا يَسْمَعُ القُرْآنَ أحَدٌ إلّا آمَنَ بِهِ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: وحَقِيقَةُ التَّعَجُّبِ تَغَيُّرُ النَّفْسِ بِما خَفِيَ فِيهِ السَّبَبُ؛ مِمّا لَمْ تَجْرِ العادَةُ بِحُدُوثِ مِثْلِهِ؛ ومِثْلُ هَذا حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّهُ ﷺ قالَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ؛ وأبِي طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ”ضَحِكَ - وفي رِوايَةٍ: عَجِبَ - اللَّهُ مِن فِعالِكُما اللَّيْلَةَ“؛» وحَدِيثُ البُخارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (p-٢٠٣)عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أيْضًا: «”عَجِبَ رَبُّنا مِن أقْوامٍ يُقادُونَ إلى الجَنَّةِ في السَّلاسِلِ“؛» ومِثْلُهُ كَثِيرٌ؛ والمَعْنى في الكُلِّ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ الفِعْلِ؛ وأنَّهُ خارِقٌ لِلْعادَةِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم لَمْ يُنْكِرُوهُ؛ لِقِلَّةِ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ؛ بَلْ قَدْ أتى مِن دَلائِلِهِ ما يُعْجِبُ إعْجابًا عَظِيمًا مِن كَثْرَتِهِ؛ وطُولِ الأناةِ في مُواتَرَتِهِ؛ ﴿ويَسْخَرُونَ﴾؛ أيْ: حَصَلَ لَكَ العَجَبُ؛ والحالُ أنَّهم يُجَدِّدُونَ السُّخْرِيَةَ كُلَّما جِئْتَهم بِحُجَّةٍ؛
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب