الباحث القرآني

ولَمّا أُرِيدُ التَّصْرِيحُ بِوُقُوعِ الإحْسانِ إلَيْهِ؛ حَلَّ المَصْدَرَ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما غَفَرَ لِي﴾؛ أيْ: أوْقَعَ السَّتْرَ لِما كُنْتُ مُرْتَكِبًا لَهُ طُولَ عُمْرِي مِنَ الكُفْرِ بِهِ؛ بِإيمانٍ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ؛ ﴿رَبِّي﴾؛ أيْ: الَّذِي أحْسَنَ إلَيَّ في الأُخْرى؛ بَعْدَ إحْسانِهِ في الدُّنْيا؛ ﴿وجَعَلَنِي﴾؛ ولَمّا كانَ الأُنْسُ أعْظَمَ فَوْزٍ؛ عَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ ”مُكْرَمًا“؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُكْرَمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أعْطاهُمُ الدَّرَجاتِ العُلا؛ بِقَطْعِهِمْ جَمِيعَ أعْمارِهِمْ في العِبادَةِ؛ فَنَصَحَ لِقَوْمِهِ حَيًّا ومَيِّتًا؛ يَتَمَنّى عِلْمَهم بِإكْرامِهِ (تَعالى) لَهُ؛ لِيَعْمَلُوا مِثْلَ عَمَلِهِ؛ فَيَنالُوا ما نالَهُ؛ وفي قِصَّتِهِ حَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ إلى مُفارَقَةِ الأشْرارِ؛ واتِّباعِ الأخْيارِ؛ والحِلْمِ عَنْ أهْلِ الجَهْلِ؛ وكَظْمِ الغَيْظِ؛ والتَّلَطُّفِ في خَلاصِ الظّالِمِ مِن ظُلْمِهِ؛ وأنَّهُ لا يَدْخُلُ (p-١١٥)أحَدٌ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ؛ وإنْ كانَ مُحْسِنًا؛ وهَذا كَما وقَعَ لِلْأنْصارِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - في المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ؛ مَعَ بُعْدِ الدّارِ؛ والنَّسَبِ؛ وفي قَوْلِ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنهم في ”بِئْرِ مَعُونَةَ“ - كَما رَواهُ البُخارِيُّ في المَغازِي؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”بَلِّغُوا قَوْمَنا أنّا لَقِينا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنّا؛ وأرْضانا“؛ وفي غَزْوَةِ ”أُحُدٍ“؛ كَما في السِّيرَةِ؛ وغَيْرِها؛ لَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ؛ وحُسْنَ مَقِيلِهِمْ: ”يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ بِنا؛ لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ؛ ولا يَنْكِلُوا عَنِ الحَرْبِ“؛ فَقالَ - تَبارَكَ وتَعالى -: (فَأنا أُبْلِغُهم عَنْكُمْ)؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) عَلى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩]؛ الآياتِ؛ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“؛ وفي التَّمْثِيلِ بِهَذِهِ القِصَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّ في قُرَيْشٍ مَن خُتِمَ بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ؛ ولَمْ يَنْقُصْ ما ضُرِبَ لَهُ مِنَ الأجَلِ؛ فَهو - سُبْحانَهُ - يُؤَيِّدُ هَذا الدِّينَ بِغَيْرِهِمْ؛ لِتَظْهَرَ قُدْرَتُهُ؛ ولِيَسْتَوْفِيَ الآجالَ أُولَئِكَ؛ ثُمَّ يُقْبِلُ بِقُلُوبِ غَيْرِهِمْ؛ فَتَظْهَرُ مَعَ ذَلِكَ حِكْمَتُهُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن يَنابِيعِ المَعانِي؛ وثابِتِ المَبانِي.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب