الباحث القرآني

ولَمّا دَلَّ - سُبْحانَهُ - عَلى ما لَهُ مِنَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ؛ بِالأفْعالِ الهائِلَةِ؛ مِن كُلٍّ مِنَ الإماتَةِ؛ والإحْياءِ؛ الحِسِّيَّيْنِ؛ والمَعْنَوِيَّيْنِ؛ إبْداءً؛ وإعادَةً؛ وكانَ ضَرْبُ الأمْثالِ بِالمُشاهَداتِ ألْصَقَ شَيْءٍ بِالبالِ؛ وأقْطَعَ لِلْمِراءِ والجِدالِ؛ وأكْشَفَ لِما يُرادُ مِنَ الأحْوالِ؛ قالَ - عاطِفًا عَلى فَبَشِّرْهُ”؛ مُبَيِّنًا لِلْأصْلِ الثّالِثِ؛ الَّذِي هو الأوَّلُ بِالأصالَةِ؛ المَقْصُودُ بِالذّاتِ؛ وهو التَّوْحِيدُ؛ ضامًّا إلَيْهِ الأصْلَيْنِ الآخَرَيْنِ؛ لِيَكُونَ المَثَلُ جامِعًا؛ والبُرْهانُ بِهِ واضِحًا ساطِعًا -: ﴿واضْرِبْ لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِهِمْ؛ بِشارَةً بِما يُرْجى لَهم عِنْدَ إقْبالِهِمْ؛ ونِذارَةً لِما يُخْشى عَلَيْهِمْ عِنْدَ إعْراضِهِمْ وإدْبارِهِمْ؛ ﴿مَثَلا﴾؛ أيْ: مُشاهَدًا؛ في إصْرارِهِمْ عَلى مُخالَفَةِ الرَّسُولِ؛ وصَبْرِهِ عَلَيْهِمْ؛ ولُطْفِهِ بِهِمْ؛ لِأنّا خَتَمْنا عَلى قُلُوبِهِمْ عَلى الكُفْرانِ؛ مَعَ قُرْبِهِمْ مِنكَ في النَّسَبِ والدّارِ؛ وفَوْزِ غَيْرِهِمْ؛ لِأنّا نَوَّرْنا قُلُوبَهُمْ؛ مَعَ البُعْدِ في النَّسَبِ؛ والدّارِ؛ بِالإيمانِ؛ وثَمَراتِهِ الحِسانِ؛ لِأنَّهم يَخْشَوْنَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ؛ ولا يَثْبُتُونَ عَلى الغَباوَةِ والرَّيْبِ. ولَمّا ذَكَرَ المَثَلَ؛ أبْدَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾؛ الَّتِي هي مَحَلُّ الحِكْمَةِ؛ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ؛ وانْتِشارِ العِلْمِ؛ ومَعْدِنِ الرَّحْمَةِ؛ ولَمّا كانَ المُمَثَّلُ بِهِ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو إخْبارُها بِأحْوالِ أهْلِها؛ لِأنَّها وجْهُ (p-١٠٤)الشَّبَهِ؛ وكانَتْ أخْبارُها كَثِيرَةً في أزْمِنَةٍ مَدِيدَةٍ؛ عَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ﴾؛ وهي بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن“القَرْيَةِ”؛ مَسْلُوخَةٌ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ؛ ولَمّا كانَ الآتِي ناحِيَةً مِن بَلَدٍ؛ وإنْ عَظُمَ؛ يُعَدُّ في العُرْفِ آتِيًا لِذَلِكَ البَلَدِ؛ أعادَ الضَّمِيرَ عَلى مَوْضِعِ الرِّسالَةِ؛ تَحْقِيقًا لَهُ؛ وإبْلاغًا في التَّعْرِيفِ بِمِقْدارِ بُعْدِ الأقْصى؛ فَقالَ: ﴿جاءَها﴾؛ أيْ: القَرْيَةَ؛ لِإنْذارِ أهْلِها؛ ﴿المُرْسَلُونَ﴾؛ أيْ: عَنِ اللَّهِ؛ لِكَوْنِهِمْ عَنْ رَسُولِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أرْسَلَهم بِأمْرِهِ؛ لِإثْباتِ ما يُرْضِيهِ - سُبْحانَهُ - ونَفْيِ ما يَكْرَهُهُ؛ الَّذِينَ هم مِن جُمْلَةِ مَن قِيلَ في“فاطِرٍ": إنَّهم جاؤُوا بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ؛ والتَّعْرِيفُ إمّا لِكَوْنِهِمْ يَعْرِفُونَ القَرْيَةَ ويَعْرِفُونَ أمْرَها؛ وإمّا لِأنَّهُ شَهِيرٌ جِدًّا؛ فَهم بِحَيْثُ لَوْ سَألُوا أحَدًا مِن أهْلِ الكِتابِ؛ الَّذِينَ يَعْتَنُونَ بِها؛ أخْبَرَهم بِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عُهِدَ مِنهُمُ الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ بِالسُّؤالِ؛ لِيُبَيِّنُوا لَهم - كَما زَعَمُوا - مَواضِعَ الإشْكالِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب