الباحث القرآني

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي اسْتَخْلَفَهُمْ؛ أكَّدَ بَيانَ ذَلِكَ عِنْدَهم بِأمْرِهِ ﷺ بِما يَضْطَرُّهم إلى الِاعْتِرافِ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾؛ أيْ: أخْبِرُونِي؛ ﴿شُرَكاءَكُمُ﴾؛ أضافَهم إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم - وإنْ كانُوا جَعَلُوهم شُرَكاءَهُ - لَمْ يَنالُوا شَيْئًا مِن شَرِكَتِهِ؛ لِأنَّهم ما نَقَصُوهُ شَيْئًا مِن مُلْكِهِ؛ وإنَّما شارَكُوا العابِدِينَ في أمْوالِهِمْ؛ بِالشَّوائِبِ وغَيْرِها؛ وفي أعْمالِهِمْ؛ فَهم شُرَكاؤُهم بِالحَقِيقَةِ؛ لا شُرَكاؤُهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ المُرادَ مِن عَدِّهِمْ لَهم شُرَكاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾؛ أيْ: تَدْعُونَهم شُرَكاءَ؛ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”بِأيِّ شَيْءٍ جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ في العِبادَةِ؟ ألَهم شِرْكٌ في الأرْضِ؟“؛ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُكَرِّرًا لِإشْهادِهِمْ عَجْزَ شُرَكائِهِمْ؛ ونَقْصَ مَن عَبَدُوهُ مِن دُونِهِ -: ﴿أرُونِي ماذا﴾؛ أيْ: الَّذِي؛ أوْ أيَّ شَيْءٍ؛ ﴿خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾؛ أيْ: لِتَصِحَّ لَكم دَعْوى الشَّرِكَةِ فِيهِمْ؛ وإلّا فادِّعاؤُكم ذَلِكَ فِيهِمْ كَذِبٌ مَحْضٌ وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّكم أبْعَدُ النّاسِ مِنهُ في (p-٦٩)الأُمُورِ الهَيِّنَةِ؛ فَكَيْفَ بِمِثْلِ هَذا؟! ولَعَلَّ اسْتِفْهامَهم عَنْ رُؤْيَةِ شُرَكائِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم مِنَ الِامْتِهانِ والحَقارَةِ؛ بِحَيْثُ يَراهم كُلُّ مَن يَقْصِدُ رُؤْيَتَهُمْ؛ ويَعْلَمُ أنَّهُ لا خَلْقَ لَهُمْ؛ واللَّهُ (تَعالى)؛ بِخِلافِ ذَلِكَ في كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ؛ مُتَرَدٍّ بِرِداءِ الكِبَرِ؛ مُحْتَجِبٌ بِحِجابِ الجَلالِ والعِزِّ؛ وكُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ خالِقٌ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ مَن لا يَخْلُقُ كَمَن يَخْلُقُ؟! ولَمّا نَبَّهَهم بِهَذا الأمْرِ الَّذِي ساقَهُ المُعْلِمُ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يَدَّعِيَ شَرِكَةً لِشَيْءٍ حَتّى يَعْلَمَ الشَّرِكَةَ؛ وإنْ جَهِلَ عَيْنَ المُشارَكِ فِيهِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ؛ مُوَسِّعًا لَهم في المَحالِّ؛ زِيادَةً في تَبْكِيتِهِمْ عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ -: ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ﴾؛ أيْ: وإنْ كانَ قَلِيلًا؛ ﴿فِي السَّماواتِ﴾؛ أيْ: أرُونِي ما خَلَقُوا في السَّماواتِ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ أوَّلًا الِاسْتِفْهامَ عَنِ الشَّرِكَةِ في الأرْضِ؛ لِدَلالَةِ مِثْلِهِ في السَّماءِ ثانِيًا عَلَيْهِ؛ وحَذَفَ الأمْرَ بِالإراءَةِ ثانِيًا لِدَلالَةِ مِثْلِهِ أوَّلًا عَلَيْهِ. ولَمّا أتَمَّ التَّبْكِيتَ بِالِاسْتِفْهامِ عَنِ المَرْئِيِّ؛ أتْبَعَهُ التَّوْبِيخَ بِالِاسْتِفْهامِ عَنِ المَسْمُوعِ؛ مُؤْذِنًا بِالِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ؛ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ بِشَدِيدِ الغَضَبِ؛ فَقالَ: ﴿أمْ آتَيْناهُمْ﴾؛ أيْ: الشُّرَكاءَ؛ أوِ المُشْرِكِينَ بِهِمْ؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿كِتابًا﴾؛ أيْ: دالًّا عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِنا؛ بِإعْجازِهِ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البَراهِينِ (p-٧٠)القاطِعَةِ؛ ثَبَتَتْ لَهم شَرِكَةٌ؛ ﴿فَهُمْ﴾؛ أيْ: المُشْرِكُونَ؛ ﴿عَلى بَيِّنَتٍ﴾؛ أيْ: حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ؛ و”بَيِّناتٍ“ عَلى القِراءَةِ الأُخْرى؛ أيْ: دَلائِلَ واضِحاتٍ؛ بِما في ذَلِكَ الكِتابِ مِن ضُرُوبِ البَيانِ؛ ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الكِتابِ؛ عَلى أنّا أشْرَكْناهم في الأمْرِ؛ حَتّى يَشْهَدُوا لَهم هَذِهِ الشَّهادَةَ الَّتِي لا يُسَوِّغُونَ مِثْلَها في إثْباتِ الشَّرِكَةِ لَعَبْدٍ مِن عَبِيدِهِمْ؛ في أحْقَرِ الأشْياءِ؛ فَكَيْفَ يُسَوِّغُونَها في انْتِقاصِ المَلِكِ؛ الَّذِي لا خَيْرَ عِنْدَهم إلّا مِنهُ؛ غَيْرَ هائِبِينَ لَهُ؛ ولا مُسْتَحِينَ مِنهُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ فَلَيْسُوا عَلى بَيانٍ“؛ بَلْ عَلى غُرُورٍ"؛ قالَ - مُنَبِّهًا لَهم عَلى ذَمِيمِ أحْوالِهِمْ؛ وسَفَهِ آرائِهِمْ؛ وخِسَّةِ هِمَمِهِمْ؛ ونُقْصانِ عُقُولِهِمْ؛ مُخْبِرًا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِمّا بِهِ يُطالِبُونَ؛ وأنَّهُ لَيْسَ لَهم جَوابٌ عَمّا عَنْهُ يَسْألُونَ؛ وأكَّدَهُ لِأجْلِ ظَنِّهِمْ أنَّ أُمُورَهم في غايَةِ الإحْكامِ -: ﴿بَلْ إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿يَعِدُ الظّالِمُونَ﴾؛ أيْ: الواضِعُونَ لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها؛ ﴿بَعْضُهم بَعْضًا﴾؛ أيْ: الأتْباعُ لِلْمَتْبُوعِينَ؛ بِأنَّ شُرَكاءَهم تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفى؛ وأنَّها تَشْفَعُ؛ وتَضُرُّ؛ ولا تَنْفَعُ؛ ﴿إلا غُرُورًا﴾
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب