الباحث القرآني
ولَمّا ثَبَتَتْ حِكْمَتُهُ بِما نُشاهِدُ مِن مُحْكَمِ الأفْعالِ وصائِبِ الأقْوالِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ عِلْمُهُ لِأنَّ الحِكْمَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالعِلْمِ، وكانَ الرَّبُّ الرَّحِيمُ العَلِيمُ لا تَكْمُلُ رُبُوبِيَّتُهُ إلّا بِالمُلْكِ الظّاهِرِ والأيالَةِ القاهِرَةِ الَّتِي لا شَوْبَ فِيها، ثَبَتَ البَعْثُ الَّذِي هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ ومَوْضِعُ ظُهُورِ العَدْلِ، فَكانَتْ نَتِيجَةَ ذَلِكَ: فاللَّهُ يَأْتِي بِالسّاعَةِ لِما ثَبَتَ مِن بُرْهانِها كَما تَرَوْنَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما دَلَّتْهم عَلَيْهِ عُقُولُهم مِن بَراهِينِها الظّاهِرَةِ: ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ والإخْبارُ عَنْها باطِلٌ.
ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ الأدِلَّةِ ما لا يَرْتابُ مَعَهُ، أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم بِرَدِّ كَلامِهِمْ مُؤَكِّدًا بِالقَسَمِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُخْلِهِ مِن دَلِيلٍ ظاهِرٍ فَقالَ: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ بِما عَمَّنِي بِهِ مَعَكم مِنَ النِّعَمِ، وبِما خَصَّنِي بِهِ مِن تَنْبِئَتَيْ وإرْسالِي إلَيْكم - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لا يُحْصِيها إلّا هو سُبْحانَهُ، فَهو أكْرَمُ مِن أنْ يَدَعَكم مِن غَيْرِ أنْ يَحْشُرَكم لِيَنْتَقِمَ لِي مِنكُمْ، ويُقِرَّ عَيْنِي بِما يُجازِيكم بِهِ مِن أذاكم لِي ولِمَنِ اتَّبَعَنِي، فَإنَّهُ لا يَكُونُ سَيِّدٌ قَطُّ يَرْضى أنْ يَبْغِيَ بَعْضُ عُصاةِ عَبِيدِهِ عَلى بَعْضٍ، ويَدَعُهم سُدًى مِن غَيْرِ تَأْدِيبٍ، فَكَيْفَ إذا كانَ المَبْغِيُّ عَلَيْهِ مُطِيعًا لَهُ، والباغِي عاصِيًا عَلَيْهِ، هَذا ما لا يَرْضاهُ عاقِلٌ فَكَيْفَ بِحاكِمٍ فَكَيْفَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ؟ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أيْ (p-٤٤٥)السّاعَةُ لِتَظْهَرَ فِيها ظُهُورًا تامًّا الحِكْمَةُ بِالعَدْلِ والفَضْلِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن عَجائِبِ الحُكْمِ [والفَصْلِ].
ولَمّا كانَ الحاكِمُ لا يُهْمِلُ رَعِيَّتَهُ إلّا إذا غابُوا مِن عِلْمِهِ، ولا يُهْمِلُ شَيْئًا مِن أحْوالِهِمْ إلّا إذا غابَ عَنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وكانَتِ السّاعَةُ مِن عالَمِ الغَيْبِ، وكانَ ما تَقَدَّمَ مِن إثْباتِ العِلْمِ رُبَّما خَصَّهُ مُتَعَنِّتٌ بِعالَمِ الشَّهادَةِ، وصَفَ ذاتَهُ الأقْدَسَ سُبْحانَهُ بِما بَيَّنَ أنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الغَيْبِ الَّذِي السّاعَةُ مِنهُ والشَّهادَةِ، بَلِ الكُلُّ عِنْدَهُ شَهادَةٌ، ولِلْعِنايَةِ بِهَذا المَعْنى يُقَدَّمُ الغَيْبُ إذا جُمِعا في الذِّكْرِ، فَقالَ مُبَيِّنًا عَظَمَةَ المُقْسَمِ بِهِ لِيُفِيدَ حَقِّيَّةَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ لِأنَّ القَسَمَ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِشْهادِ عَلى الأمْرِ، وكُلَّما كانَ المُسْتَشْهِدُ بِهِ أعْلى كَعْبًا وأبْيَنَ فَضْلًا وأرْفَعَ مَنزِلَةً كانَ [فِي] الشَّهادَةِ أقْوى وآكَدَ، والمُسْتَشْهَدُ عَلَيْهِ أثْبُتَ وأرْسَخَ، واصِفًا لَهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ ومُسْتَأْنِفًا، - وهو أبْلَغُ - عَلى قِراءَةِ المَدَنِيِّينَ وابْنِ عامِرٍ ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِالرَّفْعِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”عَلّامُ“ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ كَما هو ألْيَقُ بِالمَوْضِعِ.
ولَمّا كُنّا لِقُصُورِ عِلْمِنا مُتَقَيِّدِينَ بِما في هَذا الكَوْنِ مَعَ أنَّ الكَلامَ فِيهِ، (p-٤٤٦)قالَ مُصَرِّحًا بِالمَقْصُودِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ أيْ يَغِيبُ ويَبْعُدُ عَزُوبًا قَوِيًّا - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالضَّمِّ - ولا ضَعِيفًا - عَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ بِالكَسْرِ - ﴿عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ أيْ مِن ذاتٍ ولا مَعْنًى، والذَّرَّةُ نَمْلَةٌ حَمْراءُ صَغِيرَةٌ جِدًّا صارَتْ مَثَلًا في أقَلِّ القَلِيلِ فَهي كِنايَةٌ عَنْهُ. ولَمّا كانَ في هَذِهِ السُّورَةِ السِّباقُ لِلْحَمْدِ، وهو الكَمالُ وجِهَةِ العُلُوِّ بِهِ أوْفَقَ ولِأمْرِ السّاعَةِ ومَبْدَأهُ مِنها بَدَأ بِها.
ولَمّا كانَ قَدْ بَيَّنَ عِلْمَهُ بِأُمُورِ السَّماءِ، وكانَ المُرادُ بِها الجِنْسَ، جَمَعَ هُنا تَصْرِيحًا بِذَلِكَ المُرادِ فَقالَ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ بِتَكْرِيرِ ”لا“ فَقالَ: ﴿ولا في الأرْضِ﴾ ولَمّا كُنّا مُقَيَّدِينَ بِالكِتابِ، ابْتَدَأ الخَبَرَ بِما يَبْهَرُ العَقْلُ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَسْطُورٌ مِن قَبْلِ كَوْنِهِ ثُمَّ يَكُونُ عَلى وفْقٍ ما سُطِّرَ، فَإذا كُشِفَ لِلْمَلائِكَةِ عَنْ ذَلِكَ ازْدادُوا إيمانًا وتَسْبِيحًا وتَحْمِيدًا وتَقْدِيسًا، فَقالَ - عِنْدَ جَمِيعِ القُرّاءِ عاطِفًا عَلى الجُمْلَةِ مَن أصْلِها [لا] عَلى المِثْقالِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ يَمْنَعُهُ: ﴿ولا أصْغَرُ﴾ أيْ ولا يَكُونُ شَيْءٌ أصْغَرُ ﴿مِن ذَلِكَ﴾ أيِ المِثْقالِ ﴿ولا أكْبَرُ﴾ أيْ مِنَ المِثْقالِ فَما فَوْقَهُ ﴿إلا في كِتابٍ﴾ وإخْبارُنا بِهِ لِما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُنا مِن تَقْيِيدِ العِلْمِ بِالكِتابِ، وأمّا هو سُبْحانَهُ فَغَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَكْتُبُ الشَّيْءَ ثُمَّ يَغِيبُ عَنْهُ ويَنْسى مَكانَهُ (p-٤٤٧)فَيَعْجِزُ في اسْتِخْراجِهِ أخْبَرَ أنَّ كِتابَهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، بَلْ هو حَيْثُ لا يَكْشِفُ مَن يُرِيدُ إطْلاعَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا إلّا وجَدَهُ في الحالِ فَقالَ: ﴿مُبِينٍ﴾ ويَجُوزُ - ولَعَلَّهُ أحْسَنُ - إذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ مَعَ آيَةِ يُونُسَ أنْ يَعْطِفَ عَلى مِثْقالٍ، ويَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، ولَكِنْ عَلى بابِها في كَوْنِها بَيْنَ مُتَنافِيَيْنِ، فَإنَّ المَعْنى أنَّهُ لا يَغِيبُ ولا يَبْعُدُ عَنْهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَكِنَّهُ مَحْفُوظٌ أتَمَّ حِفْظٍ في كِتابٍ لا يُرادُ مِنهُ كَشْفُ عَنْ شَيْءٍ إلّا كانَ لَهُ في غايَةِ الإبانَةِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِأداةِ المُتَّصِلِ إشارَةً إلى أنَّهُ إنْ كانَ هُناكَ عُزُوبٌ فَهو عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي في غايَةِ البُعْدِ عَنِ العُزُوبِ،
{"ayah":"وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَا تَأۡتِینَا ٱلسَّاعَةُۖ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّی لَتَأۡتِیَنَّكُمۡ عَـٰلِمِ ٱلۡغَیۡبِۖ لَا یَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةࣲ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَلَا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَاۤ أَصۡغَرُ مِن ذَ ٰلِكَ وَلَاۤ أَكۡبَرُ إِلَّا فِی كِتَـٰبࣲ مُّبِینࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











