الباحث القرآني
ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ الإلانَةِ بِصِيغَةِ الأمْرِ إشارَةً إلى أنَّ عَمَلَهُ كانَ لِلَّهِ فَقالَ: ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أيْ دُرُوعًا طِوالًا واسِعَةً.
ولَمّا كانَ السَّرْدُ الخَرْزَ في الأدِيمِ وإدْخالَ الخَيْطِ في مَوْضِعِ الخَرَزِ شَبَّهَ إدْخالَ الحَلْقَةِ في الأُخْرى بِلُحْمَةٍ لا طَرَفَ لَها بِمَواضِعِ الخَرَزِ فَقالَ: ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ أيِ النَّسْجِ بِأنْ يَكُونَ كُلُّ حَلْقَةٍ مُساوِيَةً لِأُخْتِها مَعَ كَوْنِها ضَيِّقَةً لِئَلّا يَنْفُذَ مِنها سَهْمٌ ولْتَكُنْ في تَحْتِها بِحَيْثُ (p-٤٥٩)لا يَقْلَعُها سَيْفٌ ولا تَثْقُلُ عَلى الدّارِعِ فَتَمْنَعُهُ خِفَّةَ التَّصَرُّفِ وسُرْعَةَ الِانْتِقالِ في الكَرِّ والفَرِّ والطَّعْنِ والضَّرْبِ في البَرْدِ والحَرِّ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في حِلَقِها مَسامِيرُ لِعَدَمِ الحاجَةِ بِإلانَةِ الحَدِيدِ إلَيْها، وإلّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ فَرْقٌ، ولا كانَ لِلْإلانَةِ فائِدَةٌ، وقَدْ أخْبَرَ بَعْضُ مَن رَأى ما نُسِبَ إلَيْهِ بِغَيْرِ مَسامِيرَ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّرْدُ في اللُّغَةِ: تَقْدِيرُ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ لِيَتَأتّى مُتَّسِقًا بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ مُتَتابِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: سَرَدَ فُلانٌ الحَدِيثَ. وهَذا كَما ألانَ اللَّهُ تَعالى لِلنَّبِيِّ ﷺ في الخَنْدَقِ تِلْكَ الكُدْيَةَ وفي رِوايَةٍ: الكُذانَةَ وذَلِكَ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنِ المَعاوِلُ تَعْمَلُ فِيها وبَلَغَتْ غايَةَ الجَهْدِ مِنهم فَضَرَبَها ﷺ ضَرْبَةً واحِدَةً، وفي رِوايَةٍ رَشَّ عَلَيْها ماءً فَعادَتْ كَثِيبًا أُهِيلَ لا تَرُدُّ فَأْسًا وتِلْكَ الصَّخْرَةُ الَّتِي أخْبَرَهُ سَلْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها كَسَرَتْ فُؤُوسَهم ومَعاوِلَهم وعَجَزُوا عَنْها فَضَرَبَها النَّبِيُّ ﷺ ثَلاثَ ضَرَباتٍ كَسَرَ في ضَرْبِهِ ثَلاثًا مِنها وبَرَقَتْ مَعَ كُلِّ ضَرْبَةٍ بَرْقَةٌ كَبَّرَ مَعَها تَكْبِيرَةً، وأضاءَتْ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ما بَيْنَ (p-٤٦٠)لابَتَيِ المَدِينَةِ بِحَيْثُ كانَتْ في النَّهارِ كَأنَّها مِصْباحٌ في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَأخْبَرَهم ﷺ أنَّ إحْدى الضَّرَباتِ أضاءَتْ لَهُ صَنْعاءَ مِن أرْضِ اليَمَنِ حَتّى رَأى أبْوابَها مِن مَكانِهِ ذَلِكَ، وأخْبَرَهُ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها سَتُفْتَحُ عَلى أُمَّتِهِ، وأضاءَتْ لَهُ الأُخْرى قُصُورَ الحَيْرَةِ البِيضَ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَ أنَّها مَفْتُوحَةٌ لَهُمْ، وأضاءَتْ لَهُ الأُخْرى قُصُورَ الشّامِ الحُمْرَ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَ بِفَتْحِها عَلَيْهِمْ، فَصَدَقَهُ اللَّهُ تَعالى في جَمِيعِ ما قالَ، وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ تَصْلِيبُ الخَشَبِ لَهُ حَتّى يَصِيرَ سَيْفًا قَوِيَّ المَتْنِ جَيِّدَ الحَدِيدَةِ، وذَلِكَ «أنَّ سَيْفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ انْقَطَعَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأعْطاهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عُرْجُونًا فَعادَ في يَدِهِ سَيْفًا قائِمَةً مِنهُ فَقاتَلَ بِهِ، فَكانَ يُسَمّى العَوْنَ، ولَمْ يَزَلْ بَعْدُ يُتَوارَثُ حَتّى بِيعَ مِن بَغا التُّرْكِيِّ بِمِائَتَيْ دِينارٍ» ذَكَرَهُ الكُلاعِيُّ في السِّيرَةِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ أبِي بَكْرٍ والبَيْهَقِيِّ، «وقاتَلَ [عَكّاشَةُ] بْنُ مِحْصَنٍ يَوْمَ بَدْرٍ فانْقَطَعَ سَيْفُهُ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْطاهُ جَذْلًا مِن حَطَبٍ، فَلَمّا أخَذَهُ هَزَّهُ فَعادَ في يَدِهِ سَيْفًا طَوِيلَ القامَةِ شَدِيدَ المَتْنِ أبْيَضَ الحَدِيدِ فَقاتَلَ بِهِ حَتّى فَتَحَ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ، وكانَ ذَلِكَ السَّيْفُ يُسَمّى العَوْنَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَشْهَدُ بِهِ المَشاهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَعْدَهُ حَتّى قُتِلَ في الرِّدَّةِ (p-٤٦١)وهُوَ عِنْدَهُ،» وعَنِ الواقِدِيِّ «أنَّهُ انْكَسَرَ سَيْفُ سَلَمَةَ بْنِ أسْلَمَ بْنِ الحُرَيْشِ يَوْمَ بَدْرٍ فَأعْطاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَضِيبًا كانَ في يَدِهِ مِن عَراجِينِ ابْنِ طابٍ فَقالَ: اضْرِبْ بِهِ فَإذا هو سَيْفٌ جَيِّدٌ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتّى قُتِلَ يَوْمَ جِسْرِ أبِي عُبَيْدٍ،» وإلْحامُهُ لِلْحَدِيدِ لَيْسَ بِأعْجَبَ مِن إلْحامِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَدِ مُعَوَّذِ بْنِ عَفْراءَ لَمّا قَطَعَها أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَأتى بِها يَحْمِلُها في يَدِهِ الأُخْرى فَبَصَقَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وألْصَقَها فَلَصِقَتْ وصَحَّتْ مِثْلَ أُخْتِها كَما نَقَلَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ.
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الكَراماتِ، عَطَفَ عَلَيْها ما جَمَعَ فِيهِ الضَّمِيرَ لِأنَّهُ يَعُمُّ غَيْرَهُ فَقالَ: ﴿واعْمَلُوا﴾ أيْ أنْتَ ومَن أطاعَكَ ﴿صالِحًا﴾ أيْ بِما تَفَضَّلْنا بِهِ عَلَيْكم مِنَ العِلْمِ والتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الأمْرَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا إشارَةً إلى أنَّ إنْكارَهم لِلْقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ إنْكارٌ لِغَيْرِها مِنَ الصِّفاتِ وإلى [أنَّ] المُتَهاوِنَ في العَمَلِ في عِدادِ مَن يُنْكِرُ أنَّهُ بِعَيْنِ اللَّهِ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ كُلِّهِ ﴿بَصِيرٌ﴾ أيْ مُبْصِرٌ وعالِمٌ بِكُلِّ ظاهِرٍ لَهُ وباطِنٍ.
{"ayah":"أَنِ ٱعۡمَلۡ سَـٰبِغَـٰتࣲ وَقَدِّرۡ فِی ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُوا۟ صَـٰلِحًاۖ إِنِّی بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











