الباحث القرآني
ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ إلى أنْ خَتَمَ بِالتَّطْهِيرِ، أتْبَعَهُ التَّذْكِيرَ بِما أنْعَمَ سُبْحانَهُ بِهِ مِمّا أثْرُهُ التَّطْهِيرُ مِنَ التَّأْهِيلِ لِمُشاهَدَةِ ما يَتَكَرَّرُ مِن تَرَدُّدِ المَلائِكَةِ بِنُزُولِ الوَحْيِ الَّذِي هو السَّبَبُ في كُلِّ طُهْرٍ ظاهِرٍ وباطِنٍ، فَقالَ مُخَصِّصًا مِنَ السِّياقِ لِأجْلِهِنَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، مُنَبِّهًا لَهُنَّ عَلى أنَّ بُيُوتَهُنَّ مَهابِطُ الوَحْيِ ومَعادِنُ الأسْرارِ: ﴿واذْكُرْنَ﴾ أيْ في أنْفُسِكُنَّ ذِكْرًا دائِمًا، واذْكُرْنَهُ لِغَيْرِكُنَّ عَلى جِهَةِ الوَعْظِ والتَّعْلِيمِ.
ولَمّا كانَتِ العِنايَةُ بِالمَتْلُوِّ، بَيَّنَها بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ لِبَيانِ أنَّهُ عُمْدَةُ الجُمْلَةِ فَقالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ: ﴿ما يُتْلى﴾ أيْ يُتابِعُ ويُوالِي ذِكْرَهُ والتَّخَلُّقَ بِهِ، وأشارَ لَهُنَّ إلى ما خَصَّهُنَّ مِنهُ مِنَ الشَّرَفِ فَقالَ: ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أيْ بِواسِطَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي خَيَّرَكُنَّ ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ الَّذِي لا أعْظَمُ مِنهُ.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِذَلِكَ القُرْآنَ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أعَمُّ مِنهُ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِشِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ بِإدْخالِهِ في جُمْلَةِ المَتْلُوِّ اعْتِمادًا عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ مَعْرُوفٌ لِأنَّ التِّلاوَةَ لا يُقالُ في غَيْرِ الكِتابِ: ﴿والحِكْمَةِ﴾ (p-٣٤٨)أيْ ويَبُثُّ ويَنْشُرُ مِنَ العِلْمِ المُزَيَّنِ بِالعَمَلِ والعَمَلِ المُتْقَنِ بِالعِلْمِ، ولا تَنْسَيَنَّ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا، وكانَتِ الحِكْمَةُ مُنَفِّرَةً عَنْها، أشارَ بِخِتامِ الآيَةِ إلى أنَّها مَعَ كَوْنِها مُحَصِّلَةً لِفَوْزِ الأُخْرى جالِبَةً لِخَيْرِ الدُّنْيا، فَقالَ مُؤَكِّدًا رَدْعًا لِمَن يَشُكُّ في أنَّ الرِّفْعَةَ يُوصَلُ إلَيْها بِضِدِّها ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ مِن جَلِيلِ العِبَرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ والَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿كانَ﴾ أيْ لَمْ يَزَلْ ﴿لَطِيفًا﴾ أيْ يُوصِلُ إلى المَقاصِدِ بِوَسائِلِ الأضْدادِ ﴿خَبِيرًا﴾ أيْ يَدِقُّ عِلْمُهُ عَنْ إدْراكِ الأفْكارِ، فَهو يَجْعَلُ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا جالِبًا [لَها] عَلى أجْمَلِ الطَّرائِقِ وأكْمَلِ الخَلائِقِ وإنْ رَغُمَتْ أُنُوفُ جَمِيعِ الخَلائِقِ، ويَعْلَمُ مَن يَصْلُحُ لِبَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ومَن لا يَصْلُحُ، وما يُصْلِحُ النّاسَ دُنْيا ودِينًا وما لا يُصْلِحُهُمْ، والطُّرُقُ المُوَصِّلَةُ إلى كُلِّ ما قَضاهُ وقَدَّرَهُ وإنْ كانَتْ عَلى غَيْرِ ما يَأْلَفُهُ النّاسُ ”مَنِ انْقَطَعَ إلى اللَّهِ كَفاهُ كُلَّ مُؤُونَةٍ ورَزَقَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ“ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ وابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”مَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ كَفاهُ، ومَنِ انْقَطَعَ إلى الدُّنْيا وكَلَهُ اللَّهُ إلَيْها“ - رَواهُ صاحِبُ الفِرْدَوْسِ وأبُو الشَّيْخِ ابْنُ حَيّانَ في كِتابِ الثَّوابِ عَنْ عِمْرانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًا، ولَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وعْدَهُ في لُطْفِهِ وحَقَّقَ بِرَّهُ في خَبَرِهِ بِأنْ فَتَحَ (p-٣٤٩)عَلى نَبِيِّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْبَرَ، فَأفاضَ بِها ما شاءَ مِن رِزْقِهِ الواسِعِ، ثُمَّ لَمّا تُوُفِّيَ نَبِيُّهُ ﷺ لِيَحْمِيَهُ مِن زَهْرَةِ الحَياةِ الدُّنْيا فَتَحَ الفُتُوحاتِ الكِبارَ مِن بِلادِ فارِسَ والرُّومِ ومِصْرَ وما بَقِيَ مِنَ اليَمَنِ، فَعَمَّ الفَتْحُ جَمِيعَ الأقْطارِ: الشَّرْقَ والغَرْبَ والجَنُوبَ والشَّمالَ، ومَكَّنَ أصْحابَ نَبِيِّهِ ﷺ مِن كُنُوزِ جَمِيعِ [تِلْكَ] البِلادِ وذَخائِرِ أُولَئِكَ المُلُوكِ حَتّى صارَ الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَكِيلُونَ المالَ كَيْلًا، وزادَ الأمْرُ حَتّى «دَوَّنَ عُمَرُ الدَّواوِينَ وفَرَضَ لِلنّاسِ [عامَّةً ]أرْزاقَهم حَتّى لِلرُّضَعاءِ، وكانَ أوَّلًا لا يَفْرِضُ لِلْمَوْلُودِ حَتّى يُفْطَمَ، فَكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالفِطامِ فَنادى مُنادِيهُ: لا تُعَجِّلُوا أوْلادَكم بِالفِطامِ فَإنّا نَفْرِضُ لِكُلِّ مَوْلُودٍ في الإسْلامِ، وفاوَتَ بَيْنَ النّاسِ في العَطاءِ بِحَسَبِ القُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ والبُعْدِ مِنهُ وبِحَسَبِ السّابِقَةِ في الإسْلامِ والهِجْرَةِ ونَزَّلَ النّاسَ مَنازِلَهم بِحَيْثُ أرْضى جَمِيعَ النّاسِ حَتّى قَدِمَ عَلَيْهِ خالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ فَسَألَهُ عَمّا وراءَهُ فَقالَ: تَرَكْتُهم يَسْألُونَ اللَّهَ لَكَ أنْ يَزِيدَ في عُمْرِكَ مِن أعْمارِهِمْ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما هو حَقُّهم وأنا أسْعَدُ بِأدائِهِ إلَيْهِمْ، لَوْ كانَ مِن مالِ الخَطّابِ ما أعْطَيْتُمُوهُ، ولَكِنْ قَدْ عَلِمْتُ أنَّ فِيهِ فَضْلًا، فَلَوْ أنَّهُ إذا خَرَجَ عَطاءُ أحَدِهِمُ ابْتاعَ مِنهُ (p-٣٥٠)غَنَمًا، فَجَعَلَها بِسَوادِكُمْ، فَإذا خَرَجَ عَطاؤُهُ ثانِيَةً ابْتاعَ الرَّأْسَ والرَّأْسَيْنِ فَجَعَلَهُ فِيها، فَإنْ بَقِيَ أحَدٌ مِن ولَدِهِ كانَ لَهم شَيْءٌ قَدِ اعْتَقَدُوهُ، فَإنِّي لا أدْرِي ما يَكُونُ بَعْدِي، وإنِّي لَأعُمُّ بِنَصِيحَتِي كُلَّ مَن طَوَّقَنِي اللَّهُ أمْرَهُ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”مَن ماتَ غاشًّا لِرَعِيَّتِهِ لَمْ يَرَحْ رِيحَ الجَنَّةِ“، فَكانَ فَرْضُهُ لِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا لِكُلِّ واحِدَةٍ وهي نَحْوُ ألْفِ دِينارٍ في كُلِّ سَنَةٍ، وأعْطى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها خَمْسَةً وعِشْرِينَ ألْفًا لِحُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيّاها، فَأبَتْ أنْ تَأْخُذَ إلّا ما يَأْخُذُهُ صَواحِباتُها،» ورَوى عَنْ بَرْزَةَ بِنْتِ رافِعٍ قالَتْ: لَمّا خَرَجَ العَطاءُ أرْسَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِالَّذِي لَها فَلَمّا أدْخَلَ إلَيْها قالَتْ: غَفَرَ اللَّهُ لَعُمَرَ! غَيْرِي مِن أخَواتِي أقْوى عَلى قَسْمِ هَذا مِنِّي، قالُوا: هَذا كُلُّهُ لَكِ يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، قالَتْ: سُبْحانَ اللَّهِ! واسْتَتَرَتْ مِنهُ بِثَوْبٍ، ثُمَّ قالَتْ: صُبُّوهُ واطْرَحُوا عَلَيْهِ ثَوْبًا، ثُمَّ قالَتْ لِي: أدْخِلِي يَدَيْكِ واقْبِضِي مِنهُ قَبْضَةً فاذْهَبِي بِها إلى بَنِي فُلانٍ وبَنِي فُلانٍ مِن ذَوِي رَحِمِها وأيْتامٍ لَها، فَقَسَّمَتْهُ حَتّى بَقِيَتْ مِنهُ بَقِيَّةٌ تَحْتَ الثَّوْبِ، قالَتْ بَرْزَةُ بِنْتُ رافِعٍ: فَقُلْتُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكِ يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، واللَّهِ لَقَدْ كانَ لَنا في هَذا المالِ حَقٌّ، قالَتْ: فَلَكم ما تَحْتَ الثَّوْبِ، (p-٣٥١)فَوَجَدْنا تَحْتَهُ خَمْسَمِائَةٍ وثَمانِينَ دِرْهَمًا، ثُمَّ رَفَعَتْ يَدَها إلى السَّماءِ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا يُدْرِكُنِي عَطاءٌ لِعُمَرَ بَعْدَ عامِي هَذا، فَماتَتْ، ذَكَرَ ذَلِكَ البَلاذِرِيُّ في كِتابِ فُتُوحِ البِلادِ.
{"ayah":"وَٱذۡكُرۡنَ مَا یُتۡلَىٰ فِی بُیُوتِكُنَّ مِنۡ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِیفًا خَبِیرًا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











