الباحث القرآني
ولَمّا كانَ كُلُّ [مَن] آمَنَ بائِعًا نَفْسَهُ ومالَهُ لِلَّهِ، لِأنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ، وكانَ بَعْضُ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ لَمْ يُعْطِ الإيمانَ حَقَّهُ في القِتالِ في نَفْسِهِ ومالِهِ كَما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أمّا في مالِهِ فَبِالخُرُوجِ عَنْهُ كُلِّهِ، وأمّا في نَفْسِهِ فِيما يُقْحِمُها مِنَ الأهْوالِ، حَتّى كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لَهُ في بَعْضِ المَواطِنِ: «الزَمْ مَكانَكَ وأمْتِعْنا بِنَفْسِكَ»، «ويَقُولُ لَهُ ولِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُما مِنَ الدِّينِ بِمَنزِلَةِ السَّمْعِ والبَصَرِ» وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في لَيْلَةِ الغارِ يَذْكُرُ الطَّلَبَ فَيَتَأخَّرُ، والرَّصَدَ فَيَتَقَدَّمُ، وما عَنِ الجَوانِبِ فَيَصِيرُ إلَيْها، ومِنهم مَن وفّى هَذِهِ الغَزْوَةَ وما قَبْلَها فَأرادَ اللَّهُ التَّنْوِيهَ بِذِكْرِهِمْ والثَّناءِ عَلَيْهِمْ تَوْفِيَةً لِما يُفَضِّلُ بِهِ في حَقِّهِمْ، وتَرْغِيبًا لِغَيْرِهِمْ فَأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ لِئَلّا يَتَقَيَّدَ بِالمَذْكُورِينَ سابِقًا فَيَخُصُّ (p-٣٢٧)هَذِهِ الغَزْوَةَ فَقالَ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الكُمَّلِ ﴿رِجالٌ﴾ أيْ في غايَةِ العَظَمَةِ عِنْدَنا، ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿صَدَقُوا﴾
ولَمّا كانَ العَهْدُ عِنْدَ ذَوِي الهِمَمِ العَلِيَّةِ، والأخْلاقِ الزَّكِيَّةِ، لِشِدَّةِ ذِكْرِهِمْ [لَهُ] ومُحافَظَتِهِمْ عَلى الوَفاءِ بِهِ، وتَصَوُّرِهِ لَهم حَتّى كَأنَّهُ رَجُلٌ عَظِيمٌ قائِمٌ تُجاهَهُمْ، يَتَقاضاهُمُ الصِّدْقَ، عَدّى الفِعْلَ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ما عاهَدُوا اللَّهَ﴾ المُحِيطَ عِلْمًا وقُدْرَةً وجَلالًا وعَظَمَةً ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ مِن بَيْعِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ لَهُ بِدُخُولِهِمْ في هَذا الدِّينِ الَّذِي بَنى عَلى ذَلِكَ فَوَفَوْا بِهِ أتَمَّ وفاءٍ، وفي هَذا إشارَةٌ إلى أبِي لُبابَةَ [بْنِ] المُنْذِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكانَ مِن أكابِرِ المُؤْمِنِينَ الرّاسِخِينَ في صِفَةِ الإيمانِ حَيْثُ زَلَّ في إشارَتِهِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ بِأنَّ المُرادَ بِهِمُ الذَّبْحُ، كَما تَقَدَّمَ في الأنْفالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] فَذَهَبَ مِن حِينِهِ ورَبَطَ نَفْسَهُ تَصْدِيقًا لِصِدْقِهِ في سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وحَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ الصّادِقِينَ، وكانَ رُبَّما فُهِمَ أنَّ الصِّدْقَ لا يَكُونُ إلّا بِالقَتْلِ، قَسَّمَهم [قِسْمَيْنِ] مُشِيرًا إلى خِلافِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى﴾ أيْ أعْطى ﴿نَحْبَهُ﴾ [أيْ نَذْرَهُ] في مُعاهَدَتِهِ، أنَّهُ يَنْصُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَمُوتُ دُونَهُ، وفَرَغَ مِن (p-٣٢٨)ذَلِكَ وخَرَجَ مِن عُهْدَتِهِ بِأنْ قُتِلَ شَهِيدًا، فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ نَذْرٌ كَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وأنَسِ بْنِ النَّضْرِ الَّذِي غابَ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ فَقالَ: غِبْتُ عَنْ أوَّلِ قِتالٍ قاتَلَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ، لَئِنْ أشْهَدَنِي اللَّهُ قِتالًا لِيَرَيْنَّ اللَّهُ ما أصْنَعُ، فَلَمّا انْهَزَمَ [مَنِ انْهَزَمَ] في غَزْوَةِ أُحُدٍ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا جاءَ بِهِ هَؤُلاءِ - يَعْنِي المُشْرِكِينَ - ومِمّا صَنَعَ هَؤُلاءِ - يَعْنِي المُنْهَزِمِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ. وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ بَعْدَ بِضْعٍ وثَمانِينَ جِراحَةً مِن ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، وطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، ورَوى [البُخارِيُّ] عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ”نَرى هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أنَسِ بْنِ النَّضْرِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ﴾“ - انْتَهى، وغَيْرُ هَؤُلاءِ مِمَّنْ قُتِلَ قَبْلَ هَذا في غَزْوَةِ أُحُدٍ وغَيْرِها، وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ مِمَّنْ جُرِحَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ وحَكَمَ في بَنِي قُرَيْظَةَ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، ولَمْ يَرْعَ لَهم حِلْفَهم لِقَوْمِهِ، ولا أطاعَ قَوْمَهُ في الإشارَةِ عَلَيْهِ بِاسْتِبْقائِهِمْ كَما اسْتَبْقى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ المُنافِقِ بَنِي قَيْنُقاعَ ولا أخَذَتْهُ بِهِمْ رَأْفَةٌ غَضَبًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومِمَّنْ لَمَّ يُقْتَلْ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أحَدُ العَشْرَةِ (p-٣٢٩)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ثَبَتَ في أُحُدٍ وفَعَلَ ما لَمْ يَفْعَلْهُ غَيْرُهُ، لَزِمَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يُفارِقْهُ، وذَبَّ عَنْهُ ووَقاهُ بِيَدِهِ حَتّى شُلَّتْ إصْبُعُهُ فَشَهِدَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ، فالمُرادُ بِالنَّحْبِ هُنا العَهْدُ الَّذِي هو كالنَّذْرِ المُفْضِي إلى المَوْتِ، وأصْلُ النَّحْبِ الِاجْتِهادُ في العَمَلِ، ومِن هُنا اسْتُعْمِلَ في النَّذْرِ لِأنَّهُ الحامِلُ عَلى ذَلِكَ ﴿ومِنهُمْ﴾ أيِ الصّادِقِينَ ﴿مَن يَنْتَظِرُ﴾ قَضاءَ النَّحْبِ إمّا بِالنُّصْرَةِ، أوِ المَوْتِ عَلى الشَّهادَةِ، أوْ مُطْلَقِ المُتابَعَةِ الكامِلَةِ.
ولَمّا كانَ المُنافِقُونَ يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ أحَدٌ صادِقًا فِيما يُظْهِرُ مِنَ الإيمانِ، أكَّدَ قَوْلَهُ تَعْرِيضًا بِهِمْ: ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ أيْ وما أوْقَعُوا شَيْئًا مِن تَبْدِيلٍ بِفَتْرَةٍ أوْ تَوانٍ، فَهَذا تَصْرِيحٌ بِمَدْحِ أهْلِ الصِّدْقِ، وتَلْوِيحٌ بِذَمِّ أهْلِ النِّفاقِ عَكْسَ ما تَقَدَّمَ، رَوى البُخارِيُّ [عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمّا نَسَخْنا الصُّحُفَ بِالمَصاحِفِ فُقِدَتْ آيَةٌ مِن سُورَةِ الأحْزابِ كُنْتُ كَثِيرًا أسْمَعُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُها، لَمْ أجِدْها مَعَ أحَدٍ إلّا مَعَ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهادَتَهُ شَهادَةَ رَجُلَيْنِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا (p-٣٣٠)ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ وقَوْلُهُ: ”نَسَخْنا الصُّحُفَ“ الَّتِي كانَتْ عِنْدَ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”فِي المَصاحِفِ“ الَّتِي أمَرَ بِها عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ: ”لَمْ أجِدْها“ أيْ مَكْتُوبَةً بِدَلِيلِ حِفْظِهِ لَها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا نَسَخَ المَصاحِفَ في عَهْدِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَقْتَنِعُوا بِالصُّحُفِ. بَلْ ضَمُّوا إلَيْها ما هو مُفَرَّقٌ عِنْدَ النّاسِ مِمّا كُتِبَ بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِحَضْرَتِهِ كَما فَعَلُوا حِينَ جَمَعُوا الصُّحُفَ عَلى عَهْدِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم [أجْمَعِينَ].
{"ayah":"مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ رِجَالࣱ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَیۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن یَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبۡدِیلࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











