الباحث القرآني

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ؛ إيذانًا بِالِاسْتِقْلالِ؛ تَقْرِيعًا آخَرَ لِزِيادَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ التَّكْفِيرَ؛ فَقالَ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: المُدَّعِينَ لِلْعِلْمِ؛ واتِّباعِ الوَحْيِ؛ كُرِّرَ هَذا الوَصْفُ لِأنَّهُ - مَعَ أنَّهُ أبْعَدُ في التَّقْرِيعِ - أقْرَبُ إلى التَّلَطُّفِ في صَرْفِهِمْ عَنْ ضَلالِهِمْ؛ ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ كُفْرِكُمْ؛ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ القَهْرُ؛ والعِزُّ؛ والعَظَمَةُ؛ والِاخْتِصاصُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ وسَبِيلُهُ: دِينُهُ الَّذِي جاءَ بِهِ نَبِيُّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ وقَدَّمَهُ اهْتِمامًا بِهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ المَفْعُولَ؛ فَقالَ: ﴿مَن آمَنَ﴾؛ حالَ كَوْنِكُمْ؛ ﴿تَبْغُونَها﴾؛ أيْ: السَّبِيلَ؛ ﴿عِوَجًا﴾؛ أيْ: بِلَيِّكم ألْسِنَتَكُمْ؛ وافْتِرائِكم عَلى اللَّهِ؛ ولَمْ يَفْعَلْ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ إذْ أعْرَضَ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ ما فَعَلَ مِن قَبْلُ؛ إذْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِلَذِيذِ خِطابِهِ - تَعالى جَدُّهُ؛ وتَعاظَمَ مَجْدُهُ - إذْ قالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠]؛ والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها بِغَيْرِ واسِطَةٍ؛ وقالَ أبُو البَقاءِ - في إعْرابِهِ -: ”إنَّ“تَبْغُونَ”؛ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا؛ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في“تَصُدُّونَ”؛ أوْ مِنَ السَّبِيلِ؛ (p-١٢)لِأنَّ فِيها ضَمِيرَيْنِ راجِعَيْنِ إلَيْها؛ فَلِذَلِكَ يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ حالًا مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما؛ وعِوَجًا حالٌ“؛ انْتَهى. وقالَ صاحِبُ القامُوسِ - في بَناتِ الواوِ -: ”بَغا الشَّيْءَ بَغْوًا“: نَظَرُ إلَيْهِ كَيْفَ هُوَ؛ وقالَ - في بَناتِ الياءِ -: ”بَغَيْتُهُ أبْغِيهِ“: طَلَبْتُهُ؛ فالظّاهِرُ أنَّ جَعْلَ عِوَجًا حالًا - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - أصْوَبُ مِن جَعْلِهِ مَفْعُولًا - كَما قالَ في الكَشّافِ -؛ ويَكُونُ ”تَبْغُونَ“؛ إمّا يائِيًّا؛ فَيَكُونُ مَعْناهُ: ”تُرِيدُونَها مُعْوَجَّةً؛ أوْ ذاتَ عِوَجٍ“؛ فَإنَّ ”طَلَبَ“؛ بِمَعْنى: أرادَ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ واوِيًّا بِمَعْنى: ”تَرَوْنَها ذاتَ عِوَجٍ“؛ أيْ: ”تَجْعَلُونَها في نَظَرِكُمْ“؛ يَعْنِي: ”تَتَكَلَّفُونَ وصْفَها بِالعِوَجِ؛ مَعَ عِلْمِكم بِاسْتِقامَتِها“؛ لَكِنَّ قَوْلَهُ ﷺ في الصَّحِيحِ: «”ابْغِنِي أحْجارًا أسَتَنْفِضْ بِهِنَّ“؛» يُؤَيِّدُ قَوْلَ صاحِبِ الكَشّافِ. ولَمّا ذَكَرَ صَدَّهُمْ؛ وإرادَتَهُمُ العِوَجَ الَّذِي لا يَرْضاهُ ذُو عَقْلٍ؛ قالَ مُوَبِّخًا: ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾؛ أيْ: بِاسْتِقامَتِها بِشَهادَتِكم بِاسْتِقامَةِ دِينِ إبْراهِيمَ؛ مَعَ قِيامِ أدِلَّةِ السَّمْعِ؛ والعَقْلِ؛ أنَّها دِينُهُ؛ وأنَّ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ أوْلى النّاسِ بِهِ؛ (p-١٣)لِانْقِيادِهِمْ لِلْأدِلَّةِ؛ ولَمّا كانَ الشَّهِيدُ قَدْ يَغْفُلُ؛ وكانُوا يُخْفُونَ مَكْرَهم في صَدِّهِمْ؛ هَدَّدَهم بِإحاطَةِ عِلْمِهِ؛ فَقالَ: ﴿وما اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ؛ ولَهُ صِفاتُ الكَمالِ كُلُّها؛ ﴿بِغافِلٍ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ ﴿عَمّا تَعْمَلُونَ﴾؛
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب