الباحث القرآني

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لابُدَّ مِنَ الفِتْنَةِ، وحَذَّرَ مَن كَفَرَ، وبَشَّرَ مَن صَبَرَ، قالَ عاطِفًا عَلى ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾ [العنكبوت: ٣] مُشِيرًا إلى تَعْظِيمِ حُرْمَةِ الوالِدِ حَيْثُ جَعَلَها في سِياقِ تَعْظِيمِ الخالِقِ، وإلى أنَّها أعْظَمُ فِتْنَةٍ: ﴿ووَصَّيْنا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الإنْسانَ﴾ أيْ: الَّذِي أعَنّاهُ عَلى ذَلِكَ بِأنْ جَعَلْناهُ عَلى الأُنْسِ بِأشْكالِهِ لاسِيَّما مَن أحْسَنَ إلَيْهِ، فَكَيْفَ بِأعَزِّ الخَلْقِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ فِتْنَةٌ لَهُ ﴿بِوالِدَيْهِ﴾ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَقُلْنا لَهُ: افْعَلْ بِهِما ﴿حُسْنًا﴾ أيْ: فِعْلًا ذا حُسْنٍ مِن بِرِّهِما وعَطَفَ عَلَيْهِما، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ جاهَداكَ﴾ أيْ: فَعَلا مَعَكَ فِعْلَ المُجاهِدِ مَعَ مَن يُجاهِدُهُ فاسْتَفْرَغا مَجْهُودَهُما في مُعالَجَتِكَ ﴿لِتُشْرِكَ﴾ وتَرَكَ مَظْهَرَ العَظَمَةِ لِلنَّصِّ عَلى المَقْصُودِ فَقالَ: ﴿بِي﴾ ونَبَّهَهُ عَلى طَلَبِ البُرْهانِ في الأُصُولِ إشارَةً إلى خَطَرِ المَقامِ لِعِظَمِ المَرامِ، فَقالَ اسْتِعْمالًا لِلْعَدْلِ، مُشِيرًا بِنَفْيِ العِلْمِ إلى انْتِفاءِ العُلُومِ: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (p-٣٩٦)أصْلًا بِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ الشَّرِكَةَ فَإنَّ مَن عَبَدَ ما لَمْ يَعْلَمِ اسْتِحْقاقَهُ لِلْعِبادَةِ فَهو كافِرٌ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ فَإنَّهُ لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ - وإنْ عَظُمَ - في مَعْصِيَةِ الخالِقِ، وهَذا مُوجِبٌ لِئَلّا يَقَعَ مِن أحَدٍ شِرْكٌ أصْلًا، فَإنَّهُ لا رَيْبَ أصْلًا في أنَّهُ لا شُبْهَةَ تَقُومُ عَلى أنَّ غَيْرَهُ تَعالى يَسْتَحِقُّ الإلَهِيَّةَ، فَكَيْفَ بِدَلِيلٍ يُوجِبُ عِلْمًا، والمَقْصُودُ مِن سِياقِ الكَلامِ إظْهارُ النَّصَفَةِ والتَّنْبِيهُ عَلى النَّصِيحَةِ، لِيَكُونَ أدْعى إلى القَبُولِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: جَمِيعًا: مَن آمَنَ ومَن أشْرَكَ بِالحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا مُسْتَقْصًى بَلِيغًا ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِرَغْبَتِكم ﴿تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: فَقِفُوا عِنْدَ حُدُودِي، واتْرُكُوا ما تُزَيِّنُهُ لَكم شَهَواتُكم، واحْذَرُوا مُجازاتِي عَلى قَلِيلِ ذَلِكَ وكَثِيرِهِ، عَبَّرَ سُبْحانَهُ بِالسَّبَبِ الَّذِي هو الإنْباءُ [لِأنَّهُ لا مَثْنَوِيَّةَ فِيهِ] عَنِ المُسَبِّبِ الَّذِي هو الجَزاءُ، مُطْلِقًا لِلْعِبارَةِ، وتَهْدِيدًا بَلِيغًا عَلى وجْهِ الإشارَةِ، وطَوى ذِكْرَهُ لِأنَّهُ قَدْ يَدْخُلُهُ العَفْوُ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أسَلَمَ وكانَ بارًّا بِأُمِّهِ، فَحَلَفَتْ: لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ حَتّى يَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ أوْ تَمُوتَ فَيُعَيَّرُ بِها ويُقالُ قاتِلُ أُمِّهِ، فَمَكَثَتْ يَوْمَيْنِ بِلَيالِيهِما فَقالَ: يا أُمّاهُ، لَوْ كانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا ما تَرَكْتُ (p-٣٩٧)دِينِي فَكُلِي، وإنْ شِئْتِ فَلا تَأْكُلِي! فَلَمّا أيِسَتْ مِنهُ أكَلَتْ وشَرِبَتْ وأصْلُ القِصَّةِ في التِّرْمِذِيِّ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب