الباحث القرآني

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْبَلاءِ والِامْتِحانِ، والصَّبْرِ عَلى الهَوانِ، وإثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرِتِهِ عَلى إنْجاءِ الطّائِعِ وتَعْذِيبِ العاصِي، ذَكَرَ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَن طالَ صَبْرُهُ عَلى البَلاءِ، ولَمْ يَفْتُرْ عَزْمُهُ عَنْ نَصِيحَةِ العِبادِ [عَلى] ما يُعامِلُونَهُ بِهِ مِنَ الأذى، تَسْلِيَةً لِرَسُولِهِ ﷺ ولِتابِعِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وتَثْبِيتًا لَهم وتَهْدِيدًا لِقُرَيْشٍ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] ما هو كالشَّرْحِ لَهُ، ولَهُ نَظَرٌ عَظِيمٌ إلى ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾ [القصص: ٥١] وأكَّدَهُ دَفْعًا لِوَهْمِ مَن يَقُولُ: إنَّ القُدْرَةَ عَلى التَّصَرُّفِ في القُلُوبِ مُغْنِيَةٌ عَنِ الرِّسالَةِ في دارِ التَّسَبُّبِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ المُغْنِيَةِ عَنِ الرِّسالَةِ إجْراءً لِلْأُمُورِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الدّارُ مِن حِكْمَةِ التَّسْبِيبِ (p-٤٠٤)﴿نُوحًا﴾ أيْ: أوَّلَ رُسُلِ اللَّهِ الخافِقَيْنِ مِنَ العِبادِ، وهو مَعْنى ﴿إلى قَوْمِهِ﴾ فَإنَّ الكُفْرَ كانَ قَدْ عَمَّ أهَّلَ الأرْضَ، وكانَ ﷺ أطْوَلَ الأنْبِياءِ بَلاءً بِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ ومُعَقِّبًا: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ الرِّسالَةِ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ، وعَظُمَ الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألْفَ﴾ فَذَكَرَ رَأْسَ العَدَدِ الَّذِي لا رَأْسَ أكْبَرُ مِنهُ، وعَبَّرَ بِلَفْظٍ ﴿سَنَةٍ﴾ ذَمًّا لِأيّامِ الكُفْرِ، وقالَ: ﴿إلا خَمْسِينَ﴾ فَحَقَّقَ أنَّ ذَلِكَ الزَّمانَ تِسْعُمِائَةٍ وخَمْسُونَ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ مَعَ الِاخْتِصارِ والعُذُوبَةِ، وقالَ: ﴿عامًا﴾ إشارَةً إلى أنَّ زَمانَ حَياتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ إغْراقِهِمْ كانَ رَغَدًا واسِعًا حَسَنًا بِإيمانِ المُؤْمِنِينَ وخِصْبِ الأرْضِ. ولَمّا كانَ تَكْرِيرُ الدُّعاءِ مَعَ عَدَمِ الإجابَةِ أدَلَّ عَلى الِامْتِثالِ وعَدَمِ المِلالِ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ لُبْثِهِ فِيهِمْ ودُعائِهِ لَهم ومُعَقِّبًا لَهُ: ﴿فَأخَذَهُمُ﴾ أيْ: كُلُّهم بِالإغْراقِ أخْذَ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ ﴿الطُّوفانُ﴾ أيْ: مِنَ الماءِ، لِأنَّ الطُّوفانَ في الأصْلِ لِكُلِّ فاشٍ طامٍ مُحِيطٍ غالِبٍ مُمْتَلِئٍ كَثْرَةً وشِدَّةً وقُوَّةً مِن سَيْلٍ أوْ ظَلامٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِها، والمُرادُ هُنا الماءُ ﴿وهم ظالِمُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ، وهو وضْعُ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها فِعْلَ مَن يَمْشِي في أشَدِّ الظَّلامِ، بِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم، وإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، وهو مُلازِمٌ لِدُعائِهِمْ لَيْلًا ونَهارًا لَمْ يَرْجِعْ مِنهم عَنِ الضَّلالِ إلّا ناسٌ (p-٤٠٥)لِقِلَّتِهِمْ لا يُعَدُّونَ؛ ودَلَّ عَلَيْهِمْ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب