الباحث القرآني

ولَمّا اعْتَلُّوا في الوُقُوفِ عَنِ الإيمانِ بِخَوْفِ التَّخَطُّفِ، فَذَكَّرَهم نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِإقامَةِ أسْبابِ الأمْنِ وإدْرارِ الرِّزْقِ، وعَرَّفَهم أنَّهُ هو وحْدَهُ الَّذِي تَخْشى سَطَواتِهِ، ويَتَّقِي أخْذَهُ لِمَن خالَفَهُ وبَطَشاتِهِ، وكانَ خَوْفُهم مِن عَواقِبِ المُتابِعَةِ إمّا عَلى أنْفُسِهِمْ وإمّا عَلى ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ المَتاعِ، عُلِمَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ قَطْعًا أنَّ التَّقْدِيرَ بِما سَبَّبَ التَّخْوِيفَ مِن عَواقِبِ الظُّلْمِ بِمِثْلِ مَصارِعِ الأوَّلِينَ: فَأنْفُسُكم في خَطَرٍ مِن خَوْفِ الهَلاكِ مِنَ القادِرِ عَلَيْكم كَقُدْرَتِهِ عَلى مَن قَبِلَكم بِسَبَبِ التَّوَقُّفِ عَنِ المُتابَعَةِ أشَدُّ مَن خَطَرَ (p-٣٣١)الخَوْفِ مِنَ التَّخَطُّفِ بِسَبَبِ المُتابَعَةِ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَما خِفْتُمْ مِنهُ التَّخَطُّفَ غَيْرُ ضائِرِكم، وكَفَّكم عَنِ المُتابَعَةِ لِأجْلِهِ غَيْرُ مُخْلِدِكم، فَما إهْلاكُكم عَلى اللَّهِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ بِعَزِيزٍ- فَعَطَفَ عَلى هَذا الَّذِي أرْشَدَ السِّياقُ إلى تَقْدِيرِهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أُوتِيتُمْ﴾ أيْ: مِن [أيِّ] مُؤْتٍ كانَ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي بِأيْدِيكم وغَيْرِها ﴿فَمَتاعُ﴾ أيْ: فَهو مَتاعٌ ﴿الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولَيْسَ يَعُودُ نَفْعُهُ إلى غَيْرِها، فَهو إلى نَفادٍ وإنْ طالَ زَمَنُ التَّمَتُّعِ بِهِ ﴿وزِينَتُها﴾ أيْ: وهو زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا [الَّتِي] هي كُلُّها - فَضْلًا عَنْ زِينَتِها - إلى فَناءٍ، فَلَيْسَتْ هي ولا شَيْءَ مِنها بِأزَلِيٍّ ولا أبَدِيٍّ ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى مِمّا تُثْمِرُهُ لَكُمُ المُتابَعَةُ مِنَ الثَّوابِ الَّذِي وعَدَكُمُوهُ في الدّارِ الآخِرَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً إطْباقَكم عَلى وصْفِ هَذِهِ بِالدُّنْيا، ومَن أصْدَقُ وعْدًا مِنهُ ﴿خَيْرٌ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُشارَكَةِ ما في الدُّنْيا لَهُ في الخَيْرِيَّةِ في ظَنِّكم، لِأنَّ الَّذِي عِنْدَهُ أكْثَرُ وأطْيَبُ وأظْهَرُ، وأحْسَنُ وأشْهى، وأبْهَجُ وأزْهى، ”و“ هو مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿أبْقى﴾ [النجم: ٥١] لِأنَّهُ وإنْ شارَكَ مَتاعَ الدُّنْيا في أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أزَلِيًّا فَهو أبَدِيٌّ. فَلَمّا بانَ أنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلى خَطَرِ المُخالَفَةِ المَذْكُورِ خَوْفًا مِن خَطَرِ المُتابَعَةِ المَوْصُوفِ عاقِلٍ، تُوَجِّهُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب