الباحث القرآني
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قادِرٌ عَلى التَّأْمِينِ والإنْجاءِ والتَّمْكِينِ مَعَ الضَّعْفَةِ، أتْبَعَهُ الإعْلامَ بِقُدْرَتِهِ عَلى الإخافَةِ والإهْلاكِ مَعَ القُوَّةِ، تَرْغِيبًا لَهم - إنْ آمَنُوا - بِإهْلاكِ أضْدادِهِمْ، وتَرْهِيبًا - إنْ أصَرُّوا - مِنَ المُعامَلَةِ بِعَكْسِ مُرادِهِمْ، فَقالَ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ عاطِفًا عَلى مَعْنى (p-٣٢٧)الكَلامِ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ نُمَكِّنْ أيْ: فَعَلْنا بِهِمْ ما ذَكَرْنا مِنَ النِّعْمَةِ مَعَ ضَعْفِهِمْ وعَجْزِهِمْ، والحالُ أنّا كَثِيرًا ما أهْلَكْنا الأقْوِياءَ، وأشارَ إلى تَأْكِيدِ التَّكْثِيرِ مَعَ تَمْيِيزِ المُبْهَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ وأشارَ إلى سَبَبِ الإهْلاكِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ أيْ: وقَعَ مِنها البَطَرُ في زَمانِ عَيْشِها الرَّخِيِّ الواسِعِ، فَكانَ حالُهم كَحالِكم في الأمْنِ وإدْرارِ الرِّزْقِ، فَلَمّا بَطَرُوا مَعِيشَتَهم أهْلَكْناهم، ومَعْنى بَطَرِهِمْ لَها أنَّهم شَقُّوها بِمُجاوَزَةِ الحَدِّ في المَرَحِ، والأشَرِ والفَرَحِ، إلى أنْ تَعَدَّوْها فَأفْسَدُوها وكَفَرُوها فَلَمْ يَشْكُرُوها، بَلْ فَعَلُوا في تَلَقِّيها فِعْلَ الحائِرِ المَدْهُوشِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا رِعايَتَها، وقَلَّ احْتِمالُهم لِحَقِّ النِّعْمَةِ فِيها، فَطَغَوْا في التَّقَلُّبِ عِنْدَ مُصاحَبَتِها وتَكَبَّرُوا بِها، وتَمادَوْا في الغَيِّ قَوْلًا وفِعْلًا، مِن أجْلِ ما عَمَّهم مِنَ الرَّفاهِيَةِ عَنْ تَقْيِيدِها وساءَ احْتِمالُهم لِلْغِنى بِها، وطِيبِ العَيْشِ فِيها، فَأبْطَلُوها بِهَذِهِ الخَصائِلِ، وأذْهَبُوها هَدَرًا مِن غَيْرِ مُقابِلٍ، وذَلِكَ مِن قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ: البَطَرُ: الأشَرُ، وقِلَّةُ احْتِمالِ النِّعْمَةِ، والدَّهَشُ والحَيْرَةُ والطُّغْيانُ بِالنِّعْمَةِ، والفِعْلُ مِنَ الكُلِّ كَفَرِحَ، وبَطَرُ الحَقِّ أنْ يَتَكَبَّرَ عَنْهُ فَلا يَقْبَلُهُ، وبَطَرَهُ كَنَصَرَهُ وضَرَبَهُ: شَقَّهُ، والبُطُورُ: الصِّخابُ الطَّوِيلُ (p-٣٢٨)اللِّسانُ، والمُتَمادِي في الغَيِّ، وأبْطَرَهُ ذَرَعَهُ: حَمَّلَهُ فَوْقَ طاقَتِهِ، وذَهَبَ دَمُهُ بَطِرًا بِالكَسْرِ- أيْ: هَدَرًا وبَطَرَهم لَها أنَّهم عَصَوْا مَن خَوَّلَهم فِيها، فَخالَفُوا أمْرَهُ، وأنْساهُمُ الكِبْرُ بِما أعْطاهم ذِكْرَهُ.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الإخْبارِ تَشَوَّفَ النَّفْسُ إلى آثارِ هَذِهِ الدِّيارِ، سَبَّبَ عَنْهُ الإشارَةَ بِأداةِ البُعْدِ إلى مَنازِلِهِمْ، تَنْبِيهًا عَلى كَثْرَتِها وسُهُولَةِ الوُصُولِ إلَيْها في كُلِّ مَكانٍ، لِكَوْنِها بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْها وعَلى بُعْدِ رُتْبَتِها في الهَلاكِ دَلِيلًا عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها فَقالَ: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ﴾
ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّها خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿لَمْ تُسْكَنْ﴾ أيْ: مِن ساكِنٍ ما مُخْتارٍ أوْ مُضْطَرٍّ. ولَمّا كانَ المُرادُ إفْهامَ نَفْيِ قَلِيلِ الزَّمانِ وكَثِيرِهِ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ بَعْدَ أنْ طالَ ما تَغالَوْا فِيها ونَمَّقُوها، وزَخْرَفُوها وزَوَّقُوها، وزَفُّوا فِيها الأبْكارَ، وفَرِحُوا بِالأعْمالِ الكِبارِ،
﴿إلا﴾ سُكَوْنًا ﴿قَلِيلا﴾ بِالمارَّةِ عَلَيْها ساعَةً مِن لَيْلٍ أوْ مِن نَهارٍ، ثُمَّ يَصِيرُ تَبابًا مُوحِشَةً كالقِفارِ، بَعْدَ أنْ كانَتْ مُتَمَنِّعَةَ القِبا، بِبِيضِ الصِّفاحِ وسُمْرِ القَنا.
ولَمّا صارَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بَعْدَ الخَرابِ لا مُتَصَرِّفَ فِيها ظاهِرًا إلّا اللَّهُ، ولا حاكِمَ عَلَيْها فِيما تَنْظُرُهُ العُيُونُ سِواهُ، وكانَ هَذا أمْرًا (p-٣٢٩)عَظِيمًا، وخَطْبًا جَسِيمًا، لِأنَّهُ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ جَلِيلٍ وحَقِيرٍ، وصَغِيرٍ وكَبِيرٍ، وسُلْطانٍ ووَزِيرٍ، دَلَّ عَلى ضَخامَتِهِ بِقَوْلِهِ مُكَرِّرًا لِمَظْهَرِ العَظَمَةِ: ﴿وكُنّا﴾ [أيْ: ] أزَلًا وأبَدًا ﴿نَحْنُ﴾ لا غَيْرُنا ﴿الوارِثِينَ﴾ لَمْ يَسْتَعْصِ عَلَيْنا أحَدٌ وإنْ عَظُمَ، ولا تَأخُّرَ عَنْ مُرادِنا لَحْظَةً وإنْ ضَخُمَ، فَلَيْتَ شِعْرِي! أيْنَ أُولَئِكَ الجَبّارُونَ وكَيْفَ خَلا دُورُهم، وعَطَّلَ قُصُورَهُمْ؟ المُتَكَبِّرُونَ أفْنَتْهم واللَّهِ كُؤُوسُ الحِمامِ مُنَوَّعَةً أشْرِبَةُ المَصائِبِ العِظامِ، وأذَلَّتْهم مَصارِعُ الأيّامِ، بِقُوَّةِ العَزِيزِ العَلّامِ، فَيا ويْحَ مَن لَمْ يَعْتَبِرْ بِأيّامِهِمْ، ولَمْ يُزْدَجَرْ عَنْ مِثْلِ آثامِهِمْ.
{"ayah":"وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡیَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِیشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَـٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِیلࣰاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَ ٰرِثِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











