الباحث القرآني

﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ: النّارَ. ولَمّا كانَ آخِرُ الكَلامِ دالًّا دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ دالًّا عَلى ما في أوَّلِ الأمْرِ مِنَ الخَفاءِ: ﴿نُودِيَ﴾ ولَمّا كانَ نِداؤُهُ سُبْحانَهُ لا يُشْبِهُ نِداءَ غَيْرِهِ بَلْ يَكُونُ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ المَواضِعِ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ بِوَصْفٍ مِنَ الأوْصافِ، إمّا بِأنْ يَكُونَ أوَّلَ السَّماعِ مِنهُ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ أوْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ كَوْنِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [فِيهِ] قالَ: ﴿مِن﴾ أيْ: (p-٢٧٩)كائِنًا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقُرْبِ [مِن] ﴿شاطِئِ﴾ أيْ: جانِبِ ﴿الوادِ﴾ عَنْ يَمِينِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿الأيْمَنِ﴾ وهو صِفَةٌ لِلشّاطِئِ الكائِنِ أوْ كائِنًا ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ كائِنًا أوَّلَ أوْ مُعْظَمَ النِّداءِ أوْ كائِنًا مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [قَرِيبًا] ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ كَما تَقُولُ: نادَيْتُ فُلانًا مِن بَيْتِهِ، ولَعَلَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ كَبِيرَةً، فَلَمّا وصَلَ إلَيْها دَخَلَ النُّورُ مِن طَرَفِها إلى وسَطِها، فَدَخَلَها وراءَهُ بِحَيْثُ تَوَسَّطَها فَسَمِعَ - وهو فِيها - الكَلامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً، وهو المُتَكَلِّمُ سُبْحانَهُ لا الشَّجَرَةُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ومُحَصِّلُ الإجْماعِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَمِعَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كَلامَ اللَّهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ نِداءَ الشَّجَرَةِ لَكانَ المُتَكَلِّمُ الشَّجَرَةَ، وقالَ التَّفْتازانِيُّ شَرَحَ المَقاصِدَ أنَّ اخْتِيارَ حُجَّةِ الإسْلامِ أنَّهُ سَمِعَ كَلامَهُ الأزَلِيَّ بِلا صَوْتٍ ولا حَرْفٍ كَما تُرى ذاتُهُ في الآخِرَةِ، بِلا كَمٍّ ولا كَيْفٍ، وتَقَدَّمَ في طَهَ أنَّ المُرادَ ما إلى يَمِينِ المُتَوَجِّهِ مِن مِصْرَ إلى الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، والشَّجَرَةُ: قالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانَتْ سَمُرَةً خَضْراءَ تَبْرُقُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانَتْ عَوْسَجَةً، وقالَ وهْبٌ: مِنَ العَلِيقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّها العُنّابُ. ثُمَّ ذَكَرَ المُنادى بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يا مُوسى﴾ وأكَّدَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ (p-٢٨٠)لِعِظَمِهِ يَحْتَقِرُ كُلُّ أحَدٍ نَفْسَهُ لِأنْ يُؤَهِّلَهُ لِلْكَلامِ لا سِيَّما والأمْرُ في أوَّلِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي أنا اللَّهُ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِلْأسْماءِ الحُسْنى، والصِّفاتِ العُلى. ولَمّا كانَ هَذا الِاسْمُ غَيْبًا، تَعَرَّفَ بِصِفَةٍ هي مَجْمَعُ الأفْعالِ المُشاهَدَةِ لِلْإنْسانِ فَقالَ: ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ: خالِقُ الخَلائِقِ أجْمَعِينَ ومُرَبِّيهِمْ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب