الباحث القرآني

﴿فَسَقى﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لَهُما﴾ لَمّا عَلِمَ ضَرُورَتَهُما، انْتِهازًا لِفُرْصَةِ الأجْرِ وكَرَمِ الخُلُقِ في مُساعَدَةِ الضَّعِيفِ، مَعَ ما بِهِ مِنَ النَّصَبِ والجُوعِ ﴿ثُمَّ تَوَلّى﴾ أيْ: انْصَرَفَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جاعِلًا ظَهْرَهُ يَلِي ما كانَ يَلِيهِ وجْهَهُ ﴿إلى الظِّلِّ﴾ أيْ: لِيُقِيلَ تَحْتَهُ ويَسْتَرِيحَ، مُقْبِلًا عَلى الخالِقِ بَعْدَ ما قَضى مِن نَصِيحَةِ الخَلائِقِ، وعَرَّفَهُ لِوُقُوعِ العِلْمِ بِأنَّ بُقْعَةً لا تَكادُ تَخْلُو مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ ولا سِيَّما أماكِنُ المِياهِ ﴿فَقالَ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ في الشَّكْوى إلى المَوْلى العَلِيِّ الغَنِيِّ المُطْلَقِ نَقْصٌ ﴿رَبِّ﴾ ولَمّا كانَ حالُهُ في عَظِيمِ صَبْرِهِ حالَهُ مَن لا يَطْلُبُ، أكَّدَّ سُؤالَهُ إعْلامًا بِشَدِيدِ تَشَوُّقِهِ لَمّا سَألَ فِيهِ وزِيادَةً في التَّضَرُّعِ والرِّقَّةِ، فَقالَ: (p-٢٦٧)﴿إنِّي﴾ ولْأكَدِ الِافْتِقارِ بِالإلْصاقِ بِاللّامِ دُونَ ”إلى“ فَقالَ: ﴿لِما﴾ أيْ: لِأيِّ شَيْءٍ. ولَمّا كانَ الرِّزْقُ الآتِي إلى الإنْسانِ مُسَبِّبًا عَنِ القَضاءِ الآتِي عَنِ العَلِيِّ الكَبِيرِ، عَبَّرَ بِالإنْزالِ وعَبَّرَ بِالماضِي تَعْمِيمًا لِحالَةِ الِافْتِقارِ، وتَحَقُّقًا لِإنْجازِ الوَعْدِ بِالرِّزْقِ فَقالَ: ﴿أنْـزَلْتَ﴾ ولَعَلَّهُ حَذَفَ العائِدَ اخْتِصارًا لِما بِهِ مِنَ الإعْياءِ ﴿إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ أيْ: ولَوْ قَلَّ ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مَضْرُورٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الضُّرِّ أنِ اخْضَرَّ بَطْنُهُ مِن أكْلِ البَقْلِ وضَعُفَ حَتّى لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ. فانْظُرْ إلى هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ في حالِهِما في ذاتِ يَدِهِما، وهُما خُلاصَةُ ذَلِكَ الزَّمانِ، لِيَكُونَ لَكَ في ذَلِكَ أُسْوَةٌ، وتَجْعَلَهُ إمامًا وقُدْوَةً، وتَقُولَ: يا بِأبِي وأُمِّي! ما لَقِيَ الأنْبِياءُ والصّالِحُونَ مِنَ الضِّيقِ والأهْوالِ في سِجْنِ الدُّنْيا، صَوْنًا لَهم مِنها وإكْرامًا مِن رَبِّهِمْ عَنْها، رِفْعَةً لِدَرَجاتِهِمْ عِنْدَهُ، واسْتِهانَةً لَها وإنْ ظَنَّهُ الجاهِلُ المَغْرُورُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وفي القِصَّةِ تَرْغِيبٌ في الخَيْرِ، وحَثٌّ عَلى المُعاوَنَةِ عَلى البِرِّ، وبَعْثٌ عَلى بَذْلِ المَعْرُوفِ مَعَ الجُهْدِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب