الباحث القرآني

ولَمّا ذَكَرَ الآيَتَيْنِ، ذَكَرَ ما هُما آيَتاهُ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ﴾ أيِ الَّذِي آيَتُهُ القَمَرُ ﴿والنَّهارَ﴾ الَّذِي آيَتُهُ الشَّمْسُ ﴿خِلْفَةً﴾ أيْ ذَوِي حالَةٍ مَعْرُوفَةٍ في الِاخْتِلافِ، فَيَأْتِي هَذا خَلْفَ ذاكَ، بِضِدِّ ما لَهُ مِنَ الأوْصافِ، ويَقُومُ مَقامَهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُراداتِ، والأشْياءِ المُقَدَّراتِ، ويَعْلَمُ قَدْرَ التَّسامُحِ فِيها، ومَن فاتَهُ شَيْءٌ مِن هَذا قَضاهُ في ذاكَ؛ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والعَرَبُ تَقُولُ: خَلَفَ هَذا مِن كَذا خِلْفَةً، وذَلِكَ إذا جاءَ شَيْءٌ مَكانَ شَيْءٍ ذَهَبَ قَبْلَهُ. وفِي القامُوسِ أنَّ الخَلْفَ والخِلْفَةَ - بِالكَسْرِ: المُخْتَلِفُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: جَعَلَهُما مُخْتَلِفِينَ في النُّورِ والظَّلّامِ، والحَرِّ والبَرَدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ. وقالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: يُقالُ: الأمْرُ بَيْنَهم خِلْفَةً، أيْ نَوْبَةً، كُلُّ واحِدٍ يَخْلَفُ صاحِبَهُ، والقَوْمُ خِلْفَةٌ، أيْ مُخْتَلِفُونَ. ولَمّا كانَ الَّذِي لا يَنْتَفِعُ بِالشَّيْءِ كالعادِمِ لِذَلِكَ الشَّيْءِ، خَصَّ الجَعْلَ بِالمُجْتَنَيْ لِلثَّمَرَةِ فَقالَ: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ أيْ يَحْصُلُ لَهُ تَذَكُّرٌ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ الإدْغامُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ بِفَتْحِ الذّالِ (p-٤١٩)والكافِ مُشَدَّدَتَيْنِ، لِما يَدُلُّهُ عَلَيْهِ عَقْلُهُ مِن أنَّ التَّغَيُّرَ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ العَظِيمَةِ لا يَكُونُ بِدُونِ مُغَيِّرٍ قادِرٍ عَظِيمِ القُدْرَةِ مُخْتارٍ، فَيُؤَدِّيهِ تَذَكُّرُهُ إلى الإيمانِ إنْ كانَ كَفُورًا، وقِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الذِّكْرِ تُشِيرُ إلى أنَّ ما يَدُلّانِ عَلَيْهِ مِن تَمامِ القُدْرَةِ وشُمُولِ العِلْمِ الدّالِّ قَطْعًا عَلى الوَحْدانِيَّةِ عَلى غايَةٍ مِنَ الظُّهُورِ، لا يَحْتاجُ إلى فِكْرٍ، بَلْ تَحْصُلُ بِأدْنى التِفاتٍ ﴿أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ أيْ شُكْرًا بَلِيغًا عَظِيمًا لِنِعَمِ اللَّهِ لِتَحْمِلَهُ إرادَتُهُ تِلْكَ عَلى الشُّكْرِ إنْ كانَ مُؤْمِنًا، بِسَبَبِ ما أنْعَمَ بِهِ رَبُّهُ مِنَ الإتْيانِ بِكُلٍّ مِنهُما بَعْدَ هُجُومِ الآخَرِ لِاجْتِناءِ ثَمَراتِهِ، ولَوْ جَعَلَ أحَدَهُما دائِمًا لَفاتَتْ مَصالِحُ الآخِرَةِ، ولَحَصَلَتِ السَّآمَةُ بِهِ، والمَلَلُ مِنهُ، والتَّوانِي في الأُمُورِ المُقَدَّرَةِ بِالأوْقاتِ، والكَسَلُ وفَتَرُ العَزْمِ الَّذِي إنَّما يُثِيرُهُ لِتَدارُكِها دُخُولُ وقْتٍ آخَرَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أحْكَمَها العَلِيُّ الكَبِيرُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب