الباحث القرآني
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ شِكايَتَهُ مِن هِجْرانِهِمْ لِلْقُرْآنِ، وقَرَّرَ عَداوَتَهم لَهُ ونُصْرَتَهُ عَلَيْهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَقالَ عَطْفًا عَلى ما مَضى مِنَ الأشْباهِ في الشُّبَهِ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي حَمَلَهم عَلى هَذا القَوْلِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ غَطَّوْا عَداوَةً وحَسَدًا ما تَشْهَدُ عُقُولُهم بِصِحَّتِهِ مِن أنَّ القُرْآنَ كَلامٌ لِإعْجازِهِ لَهم مُتَفَرِّقًا، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُجْتَمِعًا، وغَطَّوْا ما وضَحَ لَهم مِن آثارِهِ الظّاهِرَةِ الشّاهِدَ بِوَحْدانِيَّتِهِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ العَلِيَّةِ: ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا.
ولَمّا كانُوا لِشِدَّةِ ضَعْفِهِمْ لا يَكادُونَ يَسْمَحُونَ بِتَسْمِيَةِ القُرْآنِ تَنْزِيلًا فَضْلًا عَنْ أنَّ يُسْنِدُوا إنْزالَهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ في هَذِهِ الشُّبْهَةِ الَّتِي أوْرَدَها قَوْلُهُمْ: ﴿نُـزِّلَ عَلَيْهِ﴾ ولَمّا عَبَّرُوا بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ (p-٣٧٩)المُشِيرَةِ إلى التَّدْرِيجِ والتَّفْرِيقِ اسْتِجْلابًا لِلسّامِعِ لِئَلّا يُعْرِضَ عَنْهُمْ، أشارُوا إلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرادٍ فَقالُوا: ﴿القُرْآنُ﴾ أيِ المُقْتَضِي اسْمُهُ لِلْجَمْعِ؛ ثُمَّ صَرَّحُوا بِالمُرادِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿جُمْلَةً﴾ وأكَّدُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿واحِدَةً﴾ أيْ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ بِمَرَّةٍ، لِيَتَحَقَّقَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويَزُولُ عَنّا ما نَتَوَهَّمُهُ مِن أنَّهُ هو الَّذِي يُرَتِّبُهُ قَلِيلًا قَلِيلًا، فَتَعْبِيرُهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّفْرِيقِ أبْلَغُ في مُرادِهِمْ، فَإنَّهم أرَغَبُوا السّامِعَ في الإقْبالِ عَلى كَلامِهِمْ بِتَوْطِينِهِ عَلى ما يُقارِبُ مُرادَهُ، ثُمَّ أزالُوا بِالتَّدْرِيجِ أتَمَّ إزالَةٍ، فَكانَ في ذَلِكَ مِنَ المُفاجَأةِ بِالرَّوْعَةِ والإقْناطِ مِمّا أمَّلَ مِنَ المُقارَبَةِ ما لَمْ يَكُنْ في ”أنْزَلَ“ واللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: وما لَهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مُفَرَّقًا، وكانَ لِلتَّفْرِيقِ فَوائِدُ جَلِيلَةٌ، أشارَ سُبْحانَهُ إلى عَظَمَتِها بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا لِلْإشارَةِ إلى ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ بِأداةِ البُعْدِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ أنْزَلْناهُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلى هَذا الوَجْهِ العَظِيمِ الَّذِي أنْكَرُوهُ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بِالإغاثَةِ بِتَرَدُّدِ الرُّسُلِ بَيْنَنا وبَيْنَكَ، وبِتَمْكِينِكَ وتَمْكِينِ أتْباعِكَ مِن تَفَهُّمِ المَعانِي، وتَخْفِيفًا لِلْأحْكامِ، في تَحْمِيلِها أهْلَ الإسْلامِ، بِالتَّدْرِيجِ عَلى حَسَبِ المَصالِحِ، ولِتَنافِي الحِكْمَةِ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ، لِما رَتَّبَ فِيهِ مِنَ المَصالِحِ، (p-٣٨٠)وتَسْهِيلًا لِلْحِفْظِ لا سِيَّما والأُمَّةُ أُمِّيَّةً لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ، وتَلْقِينًا لِلَأجْوِبَةِ في أوْقاتِها، وتَعْظِيمًا لِلْإعْجازِ، لِأنَّ ما تَحَدّى بِنَجْمٍ مِنهُ فَعَجَزَ عَنْهُ عَلِمَ أنَّ العَجْزَ عَنْ أكْثَرَ مِنهُ أوْلى، فالحاصِلُ أنَّ التَّفْرِيقَ أدْخَلُ في بابِ الإعْجازِ وفي كُلٍّ حِكْمَةٌ، فَعُلِمَ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ فُضُولٌ ومُماراةُ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ مِن ضِيقِ الفِطَنِ، وقِلَّةِ الحِلْيَةِ، وحَرَجِ الخَطِيرَةِ، دَأْبَ المَقْطُوعِ المَبْهُوتِ، لِأنَّ المَدارَ الإعْجازُ، وأمّا كَوْنُهُ جُمْلَةً أوْ مُفَرَّقًا فَأمْرٌ لا فائِدَةَ لَهم فِيهِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ مُحْتَمِلَةً لِأنْ تَكُونَ لِلْكُتُبِ الماضِيَةِ، لِأنَّ نُزُولَها إنَّما كانَ مُنَجَّمًا كَما بَيَّنَتْهُ في سُورَةِ النِّساءِ عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ المُشِيرِ إلَيْهِ نَصُّ كِتابِنا، لا كَما يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، ولا أصْلَ لَهُ إلّا كِذْبَةٌ مِن بَعْضِ اليَهُودِ شَبَّهُوا بِها عَلى أهْلِ الإسْلامِ فَمَشَتْ عَلى أكْثَرِهِمْ وشَرَعُوا يَتَكَلَّفُونَ لَها أجْوِبَةً، واليَهُودُ الآنَ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ التَّوْراةَ نَزَلَتْ في نَحْوِ عِشْرِينَ سَنَةً واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ولَمّا كانَ إنْزالُهُ مُفَرَّقًا أحْسُنَ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى الفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ ”كَذَلِكَ“ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ أيْ فَرَّقْناهُ في الإنْزالِ إلَيْكَ تَفْرِيقًا في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ وقالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ (p-٣٨١)عَنْهُما: بَيَّناهُ بَيانًا، والتَّرْتِيلُ: التَّبَيُّنُ في تَرَسُّلٍ وتَثَبُّتٍ انْتَهى. وأصْلُهُ تَرْتِيلُ الأسْنانِ وهو تَفْلِيجُها كَنَوْرِ الأُقْحُوانِ.
{"ayah":"وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَیۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةࣰ وَ ٰحِدَةࣰۚ كَذَ ٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَـٰهُ تَرۡتِیلࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











