الباحث القرآني

ولَمّا كانَ لَفْظُ المُحْصَناتِ عامًّا لِلزَّوْجاتِ، وكانَ لَهُنَّ حُكْمٌ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ، أخْرَجَهُنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ أيْ بِالزِّنى ﴿أزْواجَهُمْ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِناتِ الأحْرارِ والإماءِ والكافِراتِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُمْ﴾ بِذَلِكَ ﴿شُهَداءُ إلا أنْفُسُهُمْ﴾ وهَذا يُفْهِمُ أنَّ الزَّوْجَ إذا كانَ أحَدَ الأرْبَعَةِ كَفى، لَكِنْ يَرُدُّ هَذا المَفْهُومَ كَوْنُهُ حِكايَةً واقِعَةً لا شُهُودَ فِيها، وقَوْلُهُ في الآيَةِ قَبْلَها: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ٤] فَإنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الشُّهَداءِ غَيْرَ الرّامِي، ولَعَلَّهُ اسْتَثْناهُ مِنَ الشُّهَداءِ لِأنَّ لِعانَهُ يَكُونُ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لا يُقْبِلُ في ذَلِكَ عَلى زَوْجَتِهِ - قالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ في الكِفايَةِ: لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الزِّنى تَعَرَّضَ لِمَحَلِّ حَقِّ (p-٢١٧)الزَّوْجِ، فَإنَّ الزّانِيَ مُسْتَمْتِعٌ بِالمَنافِعِ المُسْتَحِقَّةِ لَهُ، فَشَهادَتُهُ في صِفَتِها تَتَضَمَّنُ إثْباتَ جِنايَةِ الغَيْرِ عَلى ما هو مُسْتَحَقٌّ لَهُ فَلَمْ تُسْمَعْ، كَما إذا شَهِدَ أنَّهُ جَنى عَلى عَبْدِهِ، والثّانِي أنَّ مَن شَهِدَ بِزِنى زَوْجَتِهِ فَنَفْسُ شَهادَتِهِ تَدُلُّ عَلى إظْهارِ العَداوَةِ، لِأنَّ زِناها يُوغِرُ صَدْرَهُ بِتَلْطِيخِ فِراشِهِ وإدْخالِ العارِ عَلَيْهِ وعَلى ولَدِهِ، وهو أبْلَغُ في العَداوَةِ مِن مُؤْلِمِ الضَّرْبِ وفاحِشِ السَّبِّ، قالَ القاضِي الحُسَيْنُ: وإلى هَذِهِ العِلَّةِ أشارَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وهي الَّتِي حَكاها القاضِي أبُو الطَّيِّبِ في بابِ حَدِّ قاطِعِ الطَّرِيقِ عَنِ الشَّيْخِ أبِي حامِدٍ. ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ أيْ عَلى مَن رَماها ﴿أرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ مِن خَمْسٍ في مُقابَلَةِ أرْبَعَةِ شُهَداءَ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيْ مَقْرُونَةٍ بِهَذا الِاسْمِ الكَرِيمِ الأعْظَمِ المُوجِبِ لِاسْتِحْضارِ جَمِيعِ صِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ فِيما قَذَفَها بِهِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب