الباحث القرآني

ولَمّا لاحَ بِهَذا الإذْنِ في الكَفِّ عَنْ قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُنافِقِينَ لِئَلّا يَقُولَ النّاسُ: إنَّ مُحَمَّدًا اسْتَنْصَرَ بِقَوْمٍ، فَلَمّا نَصَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ أقْبَلَ يَقْتُلُهم. فَيَمْتَنِعُ مَن يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَتَكُونُ مَفْسَدَةُ قَتْلِهِمْ أعْظَمَ مِن مَفْسَدَةِ إبْقائِهِمْ، لِأنَّ الدِّينَ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ تَمَكَّنَ تَمَكُّنًا لا يُؤَثِّرُ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، تَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إلى أنَّ هَذا الحالَ هَلْ يَسْتَمِرُّ؟ فَجَلّى اللَّهُ عَنْهُما هَذا الكَرْبَ بِقَوْلِهِ: بَيانًا لِأنَّ تَمَكُّنَ الدِّينِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلَيْهِمْ سَواءٌ أقْبَلُوا أوْ أدْبَرُوا: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهو مَعَ ذَلِكَ كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ تَرْغِيبًا لِمَن نَظَرَ في الدُّنْيا نَوْعَ نَظَرٍ؛ وقَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾ تَصْرِيحًا بِأهْلِ القَرْنِ الأوَّلِ، لِيَكُونَ ظاهِرًا في إخْراجِ المُنافِقِينَ المُتَوَلِّينَ (p-٣٠٤)بِالإعْراضِ، إشارَةً إلى أنَّهم لا يَزالُونَ في ذُلٍّ وضَعَةٍ؛ وقَدَّمَ هَذا القَيْدَ اهْتِمامًا بِهِ لِما ذُكِرَ بِخِلافِ ما يَأْتِي في سُورَةِ الفَتْحِ ﴿وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ مِنَ الإذْعانِ لِلْأحْكامِ وغَيْرِها، وأكَّدَ غايَةَ التَّأْكِيدِ بِلامِ القَسَمِ، لِما عِنْدَ أكْثَرِ النّاسِ مِنَ الرَّيْبِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ العَرَبِ والعَجَمِ، بِأنْ يَمُدَّ زَمانَهُمْ، ويُنَفِّذَ أحْكامَهم ﴿كَما اسْتَخْلَفَ﴾ أيْ طَلَبَ وأوْجَدَ خِلافَةً بِإيجادِهِمْ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِنَ الأُمَمِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ مِن كُلٍّ مَن حَصَلَتْ لَهُ مُكْنَةٌ، وظَفِرَ عَلى الأعْداءِ بَعْدَ الضَّعْفِ الشَّدِيدِ كَما كَتَبَ في الزَّبُورِ ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وكَما قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ﴾ أيْ في الباطِنِ والظّاهِرِ ﴿دِينَهُمُ﴾ أضافَهُ إلَيْهِمْ إشارَةً إلى رُسُوخِ أقْدامِهِمْ فِيهِ وأنَّهُ أبَدِيٌّ لا يُنْسَخُ ﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ حَتّى يُقِيمُوا الحُدُودَ فِيهِ مِن قَتْلٍ وغَيْرِهِ عَلى الشَّرِيفِ والوَضِيعِ سَواءٌ كانَ الواقِعُونَ في ذَلِكَ عُصْبَةً أمْ لا، لا يُراعُونَ أحَدًا، ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ، لِأنَّهُ لا يَضُرُّهُ إذْ ذاكَ إدْبارُ مُدْبِرٍ كَما «قالَ ﷺ عَنِ الحَرُورِيَّةِ كافَّةً ”إنَّهُ إنْ أدْرَكَهم لِيَقْتُلَنَّهم قَتْلَ عادٍ، بَعْدَ أنْ كَفَّ (p-٣٠٥)عَنْ قَتْلِ رَأسِهِمْ ونَهى عَنْ قَتْلِهِ - وهو واحِدٌ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ» . ولَمّا بَشَّرَهم بِالتَّمْكِينِ، أشارَ لَهم إلى مِقْدارِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ وأشارَ إلى عَدَمِ اسْتِغْراقِ هَذا الأمْنِ العامِّ لِجَمِيعِ الزَّمانِ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ هَذا الَّذِي هم فِيهِ الآنَ ﴿أمْنًا﴾ أيْ عَظِيمًا بِمِقْدارِ هَذا الخَوْفِ، في زَمَنِ النُّبُوَّةِ وخِلافَتِها؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ نَتِيجَتَهُ بِقَوْلِهِ تَعْلِيلًا لِلتَّمْكِينِ وما مَعَهُ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أيْ وحْدِي؛ وصَرَّحَ بِالمُرادِ بَيانًا لِحالِ العِبادَةِ النّافِعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ ظاهِرًا ولا باطِنًا، لِأنَّ زَمانَهم يَكُونُ زَمَنَ عَدْلٍ، فَلا يَتَحابُّونَ فِيهِ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، رَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَدِينَةَ، وآوَتْهُمُ الأنْصارُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، رَمَتْهُمُ العَرَبُ مِن قَوْسٍ واحِدَةٍ فَنَزَلَتْ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾» الآيَةُ. ولَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا - فَفَتَحَ سُبْحانَهُ لَهُمُ البِلادَ، ونَصَرَهم عَلى جَبابِرَةِ العِبادِ، فَأذَلُّوا رِقابَ الأكاسِرَةِ، واسْتَعْبَدُوا أبْناءَ القَياصِرَةِ، ومُكِّنُوا شَرْقًا وغَرْبًا مُكْنَةً لَمْ تَحْصُلْ قَبْلَهم لِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، كَما قالَ ﷺ «إنَّ اللَّهَ زَوى لِيَ الأرْضَ فَرَأيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها (p-٣٠٦)وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها» يَعْرِفُ ذَلِكَ مِن طالَعَ فُتُوحَ البِلادِ، وأجْمَعَها وأحْسَنَها النِّصْفَ الثّانِي مِن سِيرَةِ الحافِظِ أبِي الرَّبِيعِ بْنِ سالِمِ الكِلاعِيِّ، وكِتابُ شَيْخِهِ ابْنِ حُبَيْشٍ أيْضًا جامِعٌ، ولا أعْلَمُ شَيْئًا أنْفَعَ في رُسُوخِ الإيمانِ، بَعْدَ حِفْظِ القُرْآنِ، مِن مُطالَعَةِ السِّيَرِ والفُتُوحِ، وسِيرَةُ الكِلاعِيِّ جامِعَةٌ لِلْأمْرَيْنِ، ونَظْمِي لِلسِّيرَةِ في القَصِيدَةِ الَّتِي أوَّلُها: ؎ما بالُ جَفْنِكِ هامِي الدَّمْعِ هامِرَهُ وبَحْرُ فِكْرِكِ وافِي الهَمِّ وافْرُهُ أجْمَعَ السِّيَرِ - يَسَرَّ اللَّهُ إكْمالَ شَرْحِها، آمِينَ. ولَمّا قَتَلُوا عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وخَرَجُوا عَلى عَلِيٍّ ثُمَّ ابْنِهِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، نَزَعَ اللَّهُ ذَلِكَ الأمْنَ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِ“مِن”وتَنْكِيرِ“أمْنًا" وجاءَ الخَوْفُ واسْتَمَرَّ يَتَطاوَلُ ويَزْدادُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلى أنْ صارَ في زَمانِنا هَذا إلى أمْرٍ عَظِيمٍ - واللَّهُ المُسْتَعانُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن ثَبَتَ عَلى دِينِ الإسْلامِ، وانْقادَ لِأحْكامِهِ واسْتَقامَ، نالَ هَذِهِ البُشْرى، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أيْ بِالإعْراضِ عَنِ الأحْكامِ أوْ غَيْرِها؛ أوْ هو عَطْفٌ عَلى ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ (p-٣٠٧)لِأنَّ مَعْناهُ: ومَن لَمْ يَعْبُدْنِي. ولَمّا كانَ الفاسِقُ الكامِلُ إنَّما هو مَن ماتَ عَلى كُفْرِهِ فَحَبِطَ عَمَلُهُ، فَكانَ بِذَلِكَ كُفْرُهُ مُسْتَغْرِقًا لِزَمانِهِ دُونَ مَن ماتَ مُسْلِمًا وإنْ كانَ كافِرًا في جَمِيعِ ما مَضى لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، أسْقَطَ الجارَّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ الِاسْتِخْلافِ العَظِيمِ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوحِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ البُعَداءُ مِنَ الخَيْرِ ﴿هُمُ﴾ خاصَّةً ﴿الفاسِقُونَ﴾ أيِ الخارِجُونَ مِنَ الدِّينِ خُرُوجًا كامِلًا، لا تُقْبَلُ مَعَهُ مَعْذِرَةٌ، ولا تُقالُ لِصاحِبِهِ عَثْرَةٌ، بَلْ تُقامُ عَلَيْهِمُ الأحْكامُ بِالقَتْلِ وغَيْرِهِ، ولا يُراعى فِيهِمْ مَلامٌ، ولا تَأْخُذُ بِهِمْ رَأْفَةٌ عِنْدَ الِانْتِقامِ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ فِيمَن لَزِمَهُ الجَلْدُ، ولَعَلَّ الآيَةَ مُشِيرَةٌ إلى أهْلِ الرِّدَّةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب