الباحث القرآني
ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المَناسِكِ، وكانَ لِكَثْرَةِ الكُفّارِ قَدْ يَقَعُ في النَّفْسِ أنَّ إقامَتَها مَعْجُوزٌ عَنْها، وكَشَفَ سُبْحانَهُ غُمَّةَ هَذا السُّؤالِ بِآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] وما بَعْدَها، فَأنْتَجَ ذَلِكَ عِلْمَنا بِتَصَرُّفِهِ التّامِّ بِقُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وعِلْمِهِ الشّامِلِ المُقْتَضِي لِإقْبالِ العِبادِ إلَيْهِ، واجْتِماعِهِمْ كُلِّهِمْ عَلَيْهِ، فَمَن شَكَّ في قُدْرَتِهِ عَلى إظْهارِ دِينِهِ بِمُدافَعَتِهِ عَنْ أهْلِهِ، أوْ نازَعَ فِيهِ فَهو كَفُورٌ، ذَكَّرَ بِإظْهارِ أوَّلِ هَذا الخِطابِ بِآخِرِ ذَلِكَ الخِطابِ مُؤَكِّدًا لِما أجابَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ مِن تَمامِ القُدْرَةِ وشُمُولِ العِلْمِ أنَّهُ هو الَّذِي مَكَّنَ لِكُلِّ قَوْمٍ ما هم فِيهِ مِنَ المَناسِكِ الَّتِي بِها انْتِظامُ الحَياةِ، فَإنْ وافَقَتِ الأمْرَ الإلَهِيَّ كانَتْ سَبَبًا لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، وإلّا كانَتْ سَبَبًا لِلْهَلاكِ الدّائِمِ، وهو سُبْحانَهُ الَّذِي نَصَبَ مِنَ الشَّرائِعِ لِكُلِّ قَوْمٍ ما يُلائِمُهُمْ، لِأنَّهُ بِتَغْيِيرِ الزَّمانِ بِإيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ عَلى مَرِّ الأيّامِ وتَوالِي الشُّهُورِ والأعْوامِ، بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ - لِأجْلِ امْتِحانِ العِبادِ، وإظْهارِ ما خَبَّأ في جِبِلَّةِ كُلٍّ مِنهم مِن طاعَةٍ وعِصْيانٍ، وشُكْرٍ وكُفْرانٍ - (p-٨٨)ما يَصِيرُ الفِعْلُ مَصْلَحَةً بِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الأسْبابِ بَعْدَ أنْ كانَ مَفْسَدَةً وبِالعَكْسِ، لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وإظْهارِ اقْتِدارِهِ كَما قالَ تَعالى عِنْدَ أوَّلِ ذِكْرِهِ لِلنَّسْخِ
﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] الآياتُ، فَعَلِمَ أنَّ مُنازَعَتَهم فِيهِ كُفْرٌ، فَلِذَلِكَ أتْبَعَ هَذا قَوْلَهُ مِن غَيْرِ عاطِفٍ لِما بَيْنَهُما مِن تَمامِ الِاتِّصالِ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ في كُلِّ زَمانٍ ﴿جَعَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مَنسَكًا﴾ أيْ شَرْعًا لِاجْتِماعِهِمْ بِهِ عَلى خالِقِهِمْ حَيْثُ وافَقَ أمْرَهُ، ولِاجْتِماعِهِمْ عَلى أهْوائِهِمْ إذا لَمْ يُوافِقْهُ، وعَنِ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّ أصْلَ المَنسَكِ في كَلامِ العَرَبِ هو المَوْضِعُ الَّذِي يَعْتادُهُ الإنْسانُ ويَتَرَدَّدُ إلَيْهِ إمّا لِخَيْرٍ أوْ لِشَرٍّ.
ولَمّا كانَ بِحَيْثُ إنَّ ما أرادَهُ سُبْحانَهُ كانَ لا مَحالَةَ، قالَ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ أيْ مُتَعَبِّدُونَ بِهِ، لِأنّا نُدافِعُ عَنْهم مَن يُعادِيهِمْ فِيهِ حَتّى يَسْتَقِيمَ لَهم أمْرُهُ، لِإسْعادِهِمْ بِهِ أوْ إشْقائِهِمْ، فَمِن شَكٍّ في قُدْرَتِنا عَلى تَمْكِينِهِمْ مِنهُ فَهو كَفُورٌ، فَإنْ وافَقَ الأمْرَ كانَ رِبْحًا وإيمانًا، وإنْ خالَفَهُ كانَ كُفْرًا وخُسْرانًا.
ولَمّا كانَ قَدْ حَكَمَ بِإظْهارِ دِينِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وبِأنَّ الكُفّارَ عَلى كَثْرَتِهِمْ يَغْلِبُونَ بَعْدَ ما هم فِيهِ مِنَ البَطَرِ، أعْلَمَ بِذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ الزَّجْرِ لَهم بِقَوْلِهِ مُسَبَّبًا عَنْ هَذِهِ العَظَمَةِ: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ (p-٨٩)أيْ بِما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ إلَيْهِمْ مِنَ الشُّبَهِ لِيُجادِلُوا بِهِ، مِن طَعْنِهِمْ في دِينِكَ بِالنَّسْخِ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما أُمِرَ اليَوْمَ بِشَيْءٍ ونُهِيَ عَنْهُ غَدًا. لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ البَدْءُ، فَلَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هو دالٌّ عَلى العِلْمِ بِالعَواقِبِ والِاقْتِدارِ التّامِّ عَلى شَرْعِ المَذاهِبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشُّبَهِ كَما مَضَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ في شَيْءٍ نازَعُوا فِيهِ كائِنًا ما كانَ، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ جِدالِ الكُفّارِ بَدِيلَ بْنَ ورْقاءَ وبِشْرَ بْنَ سُفْيانَ الخُزاعِيَّيْنِ وغَيْرَهُما في الذَّبائِحِ، وقَوْلِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ: تَأْكُلُونَ ما ذَبَحْتُمْ وهو مِن قَتْلِكُمْ، ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ - يَعْنُونَ المَيْتَةَ.
ولَمّا كانَ النَّهْيُ عَنِ المُنازَعَةِ في الحَقِيقَةِ لَهُ ﷺ إلْهابًا وتَهْيِيجًا إلى الإعْراضِ عَنْهم لِأنَّهم أهْلٌ لِذَلِكَ، لِأنَّ كَيْدَهم في تَضْلِيلِ، والإقْبالِ عَلى شَأْنِهِ، وكانَ التَّعْبِيرُ بِما تَقَدَّمَ مِن تَحْوِيلِهِ إلَيْهِمْ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ مَعَ دَلالَتِهِ عَلى إجْلالِهِ ﷺ عَنِ المُواجَهَةِ بِالنَّهْيِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وادْعُ﴾ أيْ أوْقَعَ الدَّعْوَةَ لِجَمِيعِ الخَلْقِ ﴿إلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ، بِالحَمْلِ لَهم عَلى كُلِّ ما أمَرَكَ بِهِ مَتى ما أمَرَكَ، ولا يَهُولَنَّكَ قَوْلُهُمْ، فَإنَّهم مَغْلُوبُونَ لا مَحالَةَ، ولا تَتَأمَّلْ عاقِبَةً مِنَ العَواقِبِ، بَلْ أقْدِمْ عَلى الأمْرِ وإنْ ظَنَّ (p-٩٠)أنَّ فِيهِ الهَلاكَ، فَإنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ذَلِكَ. وأمّا نَظْمُ الأُمُورِ عَلى نَهْجِ السَّدادِ في إظْهارِ الدِّينِ، وقَهْرِ المُعانِدِينَ، فَإلى الَّذِي أمَرَكَ بِتِلْكَ الأوامِرِ، وأحْكِمِ الشَّأْنَ في جَمِيعِ الزَّواجِرِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ﴾ مُؤَكِّدًا لَهُ بِحَسَبِ ما عِنْدَهم مِنَ الإنْكارِ ﴿لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ فَإنَّهُ تَأْصِيلُ العَلِيمِ القَدِيرِ وإنَّ طُرُقَهُ التَّغْيِيرُ.
{"ayah":"لِّكُلِّ أُمَّةࣲ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا یُنَـٰزِعُنَّكَ فِی ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدࣰى مُّسۡتَقِیمࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











